ياسر أبو هلالة

صدام في المشهد الأخير: الجثة ليست مجهولة الهوية

تم نشره في الجمعة 29 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

التاريخ لا يتسع للتفاصيل، زعماء المنطقة بالمجمل سيكتفون بأسطر قليلة. والأمور بخواتيمها. سيقال إن الأميركيين احتلوا العراق وأعدموا صدام حسين مثله مثل أكثر من مليون عراقي كان للأميركيين دور مباشر في قتلهم حصارا وتجويعا أو قصفا وتدميرا. كل الأكاذيب التي رافقت احتلال العراق ستثير سخرية المؤرخين، وخصوصا بناء دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان.

لن يذكر التاريخ لصدام أنه كان حاكما ديمقراطيا، سيرصد استبداده ودمويته، وسيسجل له أنه حافظ على وحدة بلده واستقلاله ولم يسلمه للأميركي ولا للإيراني. ذلك كله في التاريخ يغدو تفاصيل. رواية التاريخ ليست عادلة. فإن كانت العلاقات الإنسانية تعتمد على الانطباع الأول الناتج عن المشهد الأول فإن التاريخ يعتمد على المشهد الأخير الذي يلخص التجربة البشرية كلها.

بشكل بدائي عبر خصوم صدام، عن تعطشهم لرؤية صدام مشنوقا. أميركا من أكثر الدول تنفيذا لعقوبة الإعدام. وهي عقوبة تنفذ حتى بمن نفذ جريمة القتل وهو قاصر عن السن القانونية. وبوش وفيٌّ لتراث الكاوبوي في نصب المشانق، وقاعدته الانتخابية ستعتبر أن جثة صدام واحدة من منجزاته الكبيرة في ولايته الثانية. وهو سيستثمر الجثة بالحد الأقصى. بعد أن وصل عدد الجثث الأميركية إلى ثلاثة آلاف.

ينقسم العراقيون على موت صدام أكثر من انقسامهم عليه في حياته، كثير من السنة سيعتبرون إعدامه استهدافا جديدا لهم، فما ارتكبته وزارة الداخلية من جرائم بحقهم لا يقارن بما جرى في الدجيل وغيرها، وستتعزز لديهم عقلية الانتقام. في المقابل سيظهر الأكراد والشيعة ارتياحاً لتنفيذ الحكم وبهجة تعزز مشاعر الغضب.

لو أعدم صدام والدك أو ابنك  ماذا سيكون موقفك؟ يُرَد على منتقدي الحكم وتنفيذه. الجواب ان ما يرضي الغرائز هو أن أنفذ الحكم بيدي، لكن ما يرضي العقل والضمير هو التسامي والارتقاء على مشاعر الانتقام. شتان بين نلسون مانديلا الذي أطاح بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وشرع العنان لقيم العفو والصفح وبين من حولوا بغداد إلى ساحة يقتل الناس فيها بعضهم بعضاً. مانديلا عملاق في تاريخ البشر، أما بوش وما تناسل عنه فنكرات وأقزام.

عربيا، جرح جديد في الكرامة. حاكم عربي يعدمه الأميركيون. ولا عاصمة عربية يصدر عنها موقف، سيقال شأن عراقي داخلي مع أنه قرار أميركي مائة في المائة. مشاعر الانتقام ستعمم. ستنسى كل مساوئ صدام وسترفع صوره بوصفه شهيدا. في رسالته الوداعية قدّم صورة مختلفة عن نفسه عندما حذر أنصاره من الحقد الذي يعمي البصر والبصيرة ويغلق منافذ الفكر.

إنه المشهد الأخير لصدام حسين: جثة بلا قبر، حدث عراقي ممل يتكرر على مدار الساعة، مع فارق بسيط؛ الجثة ليست مجهولة الهوية.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صدام " ضحية امة " (الكركي الغيور)

    الأربعاء 10 كانون الثاني / يناير 2007.
    اولا اشكر الاستاذ على هذه المقالة اما بالنسبة لصدام فانا اريد ان اطرح سؤالا ليس على منتقدي الاعدام بل على منتقدي صدام وهو لو حاول شخص قتلك ماذا تفعل له ؟
    وثانيا يا اخي انت هنا تتحدث عن رئيس الجمهورية العراقية ولا تتحدث عن احد قطاع الطرق ولو نظرنا الى الموضوع من ناحية اخرى سنجد ان انجازات هذا الشخص اكبر من اخطائه ولا يستطيع اي كان ان ينكر مواقف صدام القوية في القضايا العربية والاسلامية
    وصدام عاش بكبرياء واستشهد بكبرياء
    ويا استاذي صدام لم يغتصب العراقيات ويقتل الاطفال صدام قتل من كانوا قتلة في حق انفسهم وحق شعبهم
    وشكرا