محمد أبو رمان

الأزمة الفلسطينية وما بعدها..

تم نشره في الجمعة 29 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

ليست حماس هي من يقف وراء مصادرة المبادرة الأردنية لحل الأزمة الفلسطينية، بل قيادات في حركة فتح لم تبد ارتياحاً للمبادرة - في الأصل- وبعثت برسائل سلبية، على الرغم من ترحيب رئيس الحكومة الفلسطينية واستعداده للحضور إلى عمّان لطي صفحة الأيام السابقة. المبادرة الأردنية، وإن كانت لا تتعدى الاستعداد لاستقبال الفصائل الفلسطينية، إلاّ أنّها تشكل الفرصة الأخيرة لإيجاد أفق سياسي حقيقي للأزمة الفلسطينية بدلاً من اللجوء إلى الاحتراب والسلاح.

يبدو أنّ "فتح" حسمت خيارها، ولن تنتظر جولات حوار جديدة. والسيناريو الرئيس الذي يدور الحديث حوله هذه الأيام، يقوم على انسياب دعم مؤثر وكبير لمحمود عباس من قبل الدول العربية واميركا ودول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فك الحصار جزئياً عن الشعب الفلسطيني، مع خطوات إسرائيلية "إيجابية" كإطلاق سراح عدد من الأسرى والإفراج عن أموال للسلطة الفلسطينية، ما يعطي دلالات مهمة للفلسطينيين بأنّ مسار الحل يتمثل برؤية الرئيس عباس على الصعيد السياسي والأمني.

يتزامن هذا السيناريو مع تسريبات متعددة حول مخطط أميركي لإقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة، خلال العامين القادمين، لكن هذا السيناريو مرتبط بدرجة رئيسة بإضعاف حماس وإخراجها من السلطة وتقوية عباس، ليس فقط سياسياً ومالياً، بل حتى عسكرياً، إذ يجري التركيز على تقوية الحرس الرئاسي وتعزيزه وتمويله، كما يُنظر إلى انتقال ألفي مقاتل من قوات بدر إلى قطاع غزة والضفة الغربية، كآلية من اليات دعم عباس وترجيح قوته على حماس.

دعم عباس وتقويض حماس يعتمد على عاملين رئيسين؛ الأول فيما إذا كان لدى عباس قدرة أمنية وعسكرية كفيلة بالحسم على ارض الواقع، والثاني الشرعية السياسية وقدرة عباس وفتح انتزاع ورقة التأييد الشعبي من حماس، وفي حال أجريت انتخابات رئاسية وتشريعية أن تتمكن حركة فتح من الحيلولة دون حصول حماس على أغلبية المقاعد. إلاّ أنّ هذين العاملين مشكوك في تحققهما، بل ثمة تحليلات وتقارير تشير إلى قراءة مغايرة تماماً، تفضي إلى عدم قدرة أي من حماس أو فتح على حسم الصراع سواء على الشارع أم سياسياً وأمنياً ومالياً، ما يجعل من سيناريو الفوضى والأزمة الممتدة هو الأكثر احتمالاً.

أمنياً؛ على الرغم من الهدوء الحالي في غزة فإنّ الأجنحة المسلّحة المختلفة تفكر وتخطط وتستعد في حال وضعت المحادثات والمفاوضات (الفلسطينية- الفلسطينية) أوزارها تماماً. ومن الواضح أنّ الاستقطاب يتموضع في اتجاهين رئيسين: الأول حماس ومعها لجان المقاومة الشعبية والقوى الإسلامية المختلفة، ومن ضمنها ما يطلق عليه "جيش الإسلام" الأقرب إلى خط القاعدة الفكري والحركي، والقوة التنفيذية التي أسسها وزير الداخلية محمود صيام وعلى الطرف المقابل فتح وأجنحتها الأمنية والعسكرية، ومعها الشرطة وحرس الرئاسة والأمن الوقائي، مع توقع انضمام قوات بدر إليهم.

المعادلة الأمنية تشير إلى حالة من التوازن بين الطرفين. وإذا كان عباس يحظى بدعم وتمويل دولي وعربي فإنّ حماس تحظى بدعم اجتماعي وسياسي داخلي كبير، بخاصة في قطاع غزة، ولها جذور راسخة ممتدة، لا يمكن اقتلاعها من ناحية، كما أنّها، من ناحية أخرى، تحظى بدعم إقليمي من سورية وإيران وحزب الله، ومن مختلف القوى السياسية الإسلامية العربية والقوى المعارضة للولايات المتحدة والمسيرة السلمية، وهي قادرة – بدورها- على إيجاد آليات وروافد مالية متعددة ومتنوعة.

أما ترويج بعض السياسيين الفلسطينيين والعرب بأنّ نتائج الصراع الحالي الأمنية ستكون محدودة، ولفترة قصيرة تسيطر بعدها فتح على السلطة والحكم ومفاتيح الحالة الأمنية، فهو فرضية غير صحيحة. فحماس تملك جهازاً أمنياً وعسكرياً محترفاً، في ظل غياب نفوذ السلطة وأدواتها في الاحتكار الحصري للقوة. من الواضح أنّ التوازن الأقرب في الوضع الفلسطيني سيكون على غرار ما يجري في العراق ولبنان.

سياسياً، يبدو الرهان القائم على أنّ تحريك السلام والوعود الأميركية والتسهيلات الإسرائيلية ستشكل دعماً لعباس أمام الشعب الفلسطيني، بأنه يمتلك الحل والمخرج من الحصار والمأزق الحالي، وهذا صحيح، لكنه غير كاف. فهنالك حدود لما يمكن، أو تريد، أن تقدمه إسرائيل للفلسطينيين، ومهما قيل عن دولة فلسطينية مؤقتة وعن مشروع أميركي، يبقى الطموح الفلسطيني، بحدوده الدنيا -إقامة دولة مستقلة كاملة السيادة على كافة الأراضي المحتلة عام الـ67، وعودة القدس وحل عادل لقضية اللاجئين- دون العرض الإسرائيلي المطروح في حدوده العليا، ما يجعل من ثقة الفلسطينيين بطريق عباس موضع شك كبير.

في خلفية المشهد السياسي والصراع بين فتح وحماس تتبدى أزمة المشروع الوطني الفلسطيني الذي وصل إلى طريق بلا أفاق استراتيجية حقيقية؛ وكأنه منقسم على نفسه بين مسارين؛ الأول يتمثل بحركة فتح وتحمل مشروعاً علمانياً (على أسس وطنية) وقد تحولت من حركة ثورية - ارتكبت أخطاءً فادحة، منذ انطلاقها في ستينات القرن المنصرم- إلى سلطة يتغلغل فيها الفساد وحساب المصالح الشخصية وجزر متصارعة على مكاسب صغيرة وجزئية، فضلاً عن عدم قدرتها على تقديم رؤية سياسية شمولية للمأزق الفلسطيني الحالي وآفاق الخروج منه. والمسار الثاني يتمثل بحركة حماس التي قامت على أسس إسلامية- وطنية، تمتلك مشروعاً للمقاومة المسلحة والتعبئة الاجتماعية والسياسية، لكنها غير قادرة على تقديم برنامج للسلطة وللمسار السياسي الواقعي، يتعامل مع شروط الوضع الفلسطيني واستحقاقاته الصعبة، فتحولت – أي حماس- إلى جزء من الأزمة، بدلاً من تقديم مخارج لها، فضلاً عن ذلك تورطت حماس في قصة المحاور والارتهان لحساباتها، ما وضع الشعب الفلسطيني بأسره في قبضة الاستقطاب الإقليمي.

المفاوضات بين فتح وحماس أخذت وقتاً كبيراً، من دون الوصول إلى حلول ونتائج، ولا تشجع المؤشرات الحالية على أنّ المبادرة الأردنية ستأخذ مدى كبيراً، ويبقى أن تلجأ كل حركة إلى تعزيز مصادر قوتها ضد الأخرى. وإذا ما طالت الأزمة وتجذّرت فإنّ المحك في قدرة الشعب الفلسطيني على بناء نهج ثالث ورؤية تحمل تصوراً جديداً لمأزق المشروع الوطني الفلسطيني ينقذه من المراوحة بين مشروعين سياسيين أوصلاه إلى طريق مغلق أو بلوغ حالة الانهاك والبحث عن مخارج "غير فلسطينية"!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق