جميل النمري

تحولات السياسة الأميركية: سورية

تم نشره في الخميس 28 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

بين مطلع العام ونهايته تحسّن موقف سورية كثيرا. فالنظام الذي يجب تغييره، اصبح نظاما لا بدّ من التعاون معه للتغلب على المأزق في العراق والأزمة في لبنان.

انكشاف الفشل الأميركي في العراق قلب الموقف رأسا على عقب. فالتهديدات لسورية لم تتراجع فحسب، بل اصبح مطلوبا الحوار والتعاون مع النظام السوري للخروج من مأزق العراق، وفق تقرير بيكر–هاملتون. ثمّ جاء إنجاز حزب الله ليعزّز ثقة سورية التي اندفعت باتجاهين: الأول، هجوم مضاد في لبنان لإنهاء سلطة الأغلبية الراهنة، واستعادة القرار اللبناني، وفي المقدمة موضوع المحكمة الدولية؛ والثاني، هجوم نوايا حسنة في موضوع العراق، ابتداء بالاعتراف بالحكومة العراقية وفتح سفارة في بغداد، وانتهاء بالتصريحات المرنة والإيجابية بشأن المفاوضات مع إسرائيل.

لم تحسم الإدارة الأميركية أمرها بشأن توصيات بيكر-هاملتون، رغم مسارعة دمشق إلى إبداء استعدادها للحوار والتعاون. وسيقدم بوش رأيه مطلع العام الجديد، لكن التصريحات الصادرة عن الادارة تعكس الخشية من الثمن الباهظ لهذا التراجع في العلاقة مع سورية، وهي تعلن سلفا رفض اي مساومة بشأن المحكمة الدولية وسيادة لبنان، ويمكن الجزم بأن مساومة كهذه ليست واردة أبدا.

هناك القليل مما يستحق لقب "صفقة" مع سورية. وتستقبل دمشق مسؤولين غربيين، وشيوخا اميركيين يجسّون النبض ويتحسسون الفرص من دون اقتراح التزامات محددة. الولايات المتحدّة تريد تعاوناً سورياً بشأن العراق، وتراخياً في التحالف مع ايران، وتوقف عن دعم قوى الرفض الفلسطيني، ومقابل ذلك يتراجع الضغط على النظام السوري، ويتحسن مناخ العلاقات، وتخفّ عزلة سورية. ويمكن تحريك المفاوضات بشأن الجولان. لكن هذا على الارجح ليس كافيا ومطمئنا لسورية. وحتّى لو مضت سورية قليلا في هذا الاتجاه، فعلى مسافة معينة ينتصب شبح المحكمة الدولية المرعب. وبقدر ما تعجز سورية عن قبول فكرة ترك لبنان وشأنه نهائيا، فإنها لا تستطيع الاستسلام للاحتمالات التي تنطوي عليها المحكمة الدولية.

الاستعصاء الذي يربك سياسة سورية في ملاقاة التحوّل في السياسة الأميركية هما لبنان والمحكمة الدولية، والحاصل ان سورية في هذا الموضوع بالذات لا تجد في العالم كله سوى حليف واحد، هو طهران. فقد قدّمت روسيا اقصى ما يمكن تقديمه في التعديلات التي فرضتها على مشروع القرار الدولي، وهو ان المحكمة ليست مخوّلة باستجواب ومحاكمة رؤساء دول، وما دون ذلك ليس في نظام المحكمة ما يمكن الاعتراض عليه، وقد باتت بالنسبة للعالم مسألة أخلاقية يستحيل المساومة عليها. وفي لقاء بوتن-الأسد، ظهر توافق، بل تطابق بشأن كل القضايا ما عدا لبنان والمحكمة الدولية.

هناك مدخل وحيد لسورية مع المستقبل ومع العالم، وهو أن تبني حساباتها على اساس كفّ اليد عن لبنان، والقبول بالمحكمة الدولية والتكيف مع نتائجها.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق