ياسر أبو هلالة

أحداث اليرموك بين السياسة والعشائرية

تم نشره في الخميس 21 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

كانت أحداث جامعة اليرموك منتصف الثمانينات علامة فارقة في تاريخ الحركة الطلابية الأردنية. فالحراك الذي انتهى بصورة مأساوية بفعل العقلية العرفية التي كانت سائدة آنذاك عبر عن نضج سياسي غير مسبوق. التيارات السياسية إسلامية وماركسية وما بينهما التقت على قضايا مطلبية عادلة للطلاب. تحققت وبتضحيات فادحة نتيجة العقلية العرفية، التي دانتها لجنة التحقيق المستقلة التي شكلها الملك الراحل رحمه الله.

لم أشهد الأحداث يومها مباشرة ودخلت الجامعة في الفصل التالي لها. كنا نتابعها عن طريق جارنا طالب الهندسة محمد حياصات رحمه الله، وكان من قيادات الإخوان المسلمين في الجامعة، اعتقل على خلفية الأحداث، وكانت المرة الأولى التي يعتقل فيها أخ مسلم، وكانت السجون بالنسبة للثقافة الإخوانية مجرد أدبيات على الورق، الصدمة لم تكن في اعتقال عدد من قيادات الإخوان الطلابية، بل كانت في اللغة الجديدة غير المستخدمة. صار ثمة تحالفات مع الحزب الشيوعي والكادر اللينيني والجبهة الشعبية واولئك كانوا مجرد كفار نجاهد أشباههم في أفغانستان!

أحداث اليرموك ذكرتني بها أربعة أمور، الأول نظام العقوبات الذي أصدرته الجامعة الأردنية ولم يقره مجلس الوزراء بعد، والثاني إصدار عقوبات بحق طلاب في جامعة العلوم والتكنولوجيا لأنهم وزعوا منشورات! والثالث القيادي الشيوعي يعقوب زيادين الذي وثقها في مذكراته، والرابع أحداث العنف العشائرية التي شهدتها الجامعة واستدعت تدخل رجال الأمن.

بعد عقدين من الواضح أننا نسير إلى الخلف در. فقوات الأمن التي تدخلت في حينه لقمع أرقى أشكال الحراك السياسي  تتدخل اليوم، وكأنها قوات حرس الحدود التي شكلها جلوب باشا عند تأسيس الإمارة لفض الغزوات العشائرية. هذا الرجوع إلى الخلف لم يكن لأسباب جينية، كان ثمرة منهجية صارمة دمرت الحياة السياسة في الجامعات بقدر ما نمّت الغرائز والنوازع البدائية والعشائرية.

يحدثونك عن التنمية السياسية وتقرأ في نظام التأديب في الجامعة الأردنية (لا العقوبات؟) الآتي من المخالفات:

"المشاركة في أي تنظيم داخل الجامعة من غير ترخيص مسبق من الجهات المختصة في الجامعة، أو الاشتراك في أي نشاط جماعي يخل بالقواعد التنظيمية النافذة في الجامعة أو التحريض عليها"، وفي الفقرة ح " توزيع النشرات أو إصدار جرائد حائط بالكليات أو جمع التواقيع أو التبرعات التي من شأنها الإخلال بالأمن والنظام الجامعي أو الإساءة للوحدة الوطنية"، والمادة ط " الإخلال بالنظام أو الانضباط الذي تقتضيه المحاضرات أو الندوات أو الأنشطة التي تقام داخل الجامعة".

طبعا هذا النظام يقصر التجمعات والنشاطات الطلابية على الاحتفال بيوم الشجرة، وعيد الاستقلال (والمناسبات الواردة في العطل الرسمية)، ولا ينتج غير الجيل الذي شهدناه في أحداث اليرموك قبل أسبوعين، لا التي حصلت قبل عقدين. نظام ينتمي إلى قوة حرس الحدود في غضون تشكل الإمارة، قبل أن يكون ثمة دستور وحقوق دستورية للمواطنين.

السياسة تبدأ في الجامعة، وفي الجفر الذي أغلق دخله طلاب في الثانوية ولم يصلوا الجامعة، وكانوا قيادات سياسية. 

باختصار نحن بحاجة إلى الجفر بالمعنى القديم مدرسة للتأهيل السياسي أكثر من حاجتنا لجامعات مرعوبة من طالب يوزع منشورا ويكتب في مجلة حائط.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لغة الحوار (سوسن مكحل)

    الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    أوافقك الرأي استاذ ياسر أبو هلالة ، ولكننا كطلاب كنا في جامعة اليرموك يوم الحادثة أو دل الذي حصل على غياب لغة الحوار التي هي بالأصل غائبة عن المواطن العربي على حد سواء وليس على الطالب الجامعي فقط ، للأسف لغتنا هي لغة العنف .
    فنحن لا نوقع على الورق ونستهل الكلام نحن علينا بتغير ما تجذر في أساسياتنا من عنصرية وانتماءات بغض النطر عن أحقيتها أو أهليتها ، وكما يقول جبران خليل جبران " عجيب أننا ندافع عن خطايانا بأكثر قوة مما ندافع عن صوابنا " شكرا
  • »الأردن أولا .. ديموقراطية و نص !!!! (عمار)

    الجمعة 22 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    أخي الكريم ياسر ابوهلالة أوافقك الرأي في كل ما ذهبت اليه في مقالك و اضيف عليه متسائلا : أليس التلفزيون الاردني هو تلفزيون للشعب الاردني؟؟ أم هو تلفزيون للحكومة؟هل الحكومة هي التي تنفق عليه من جيب اللي خلفوها؟؟!!ام ان الشعب الكادح ينفق على التلفزيون و ينفق على الحكومة ايضا؟لماذا اذا يتعمد تغييب كل صوت يعارض سياسات هذه الحكومة العتيدة؟؟!! اخي ياسر: ان العقلية العرفية تسعى لاستبعاد و استعباد و تدجين المواطن الاردني طالبا جامعيا كان او موظفا او عاملا او مزارعا!!! .. بالله عليك اذا أبعدنا الجامعات عن السياسة و المساجد عن السياسة و الوزارات و المؤسسات الحكومية ايضا,واذا حرمنا(بتشديد الراء) السياسة على الطلبة و الموظفين و افراد الجيش و الامن و الشرطة أتساءل من بقي من الشعب ليطبق عليه التنمية السياسية المزعومة ؟؟!! والله ان المطلوب هو ترك السياسة لأهلها فنحن شعب من واجبنا ان نكد و نلحق لقمة العيش و و نطالب بلقمة العيش ولكن اياك ايها الشعب ان تقترب من السياسة .. واحلى ديموقراطية و نص !!!
  • »صحيح، من يتحمل المسؤولية؟ (فارس بريزات)

    الجمعة 22 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    عزيزي الاستاذ ياسر،
    اتفق مع ما ورد في مقالتك واعتقد انك شخصت الحالة بشكل ممتاز. مقالة ممتازة ولعلها تفتح الحوار بشكل جدي حول التنمية السياسية في الجامعات. بالمناسبة مقالة ايمن عن الانتخابات ممتازة واتمنى ان تحسم الحكومة الموقف باعلان ان الانتخابات ستجري في موعدها.
  • »لماذا هي الجامعة (م.صايل العبادي)

    الخميس 21 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    اذا كان طالب الجامعة لا يستطيع ان ينتمي الى تنظيم سياسي ونحن بلد تشرع للاحزاب ، ولا ان يوزع منشور ، او يشارك في مظاهرة ، ولا ان يعبر عن نفسه بخطبة جماهيرية او مقاله في مجلة حائط ، ولا يجوز له ان تتفتح قريحته ببيت من الشعر يعبر فيه عن فكرة في خاطره ، فلماذا الجامعة اذا ؟، واين ينشأ السياسيون ان لم يكن ذلك في رحاب الجامعة ، ومن اين لنا نواب نرشحهم ليمثلونا في البرلمان اذا لم يشكلوا رؤيتهم السياسية في الجامعة ـ عشان هيك نوابنا شغل هوشات ـ ، ولماذا وزارات التنمية السياسية،،الحقوا العالم يا ناس وكبروا عقولكم ودعوا الطلاب يمارسون حرياتهم المسؤولة حتى يكونوا نشامى المستقبل ولا يكونوا جبناء مرعوبين!!
  • »بصرااااااااااحه (طالب جامعي)

    الخميس 21 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    بصراحه كل الي حكيته صحيح احنا بحاجه الى مدرسه للتاهيل السياسي والاجتماعي والتربوي حتى نقدر نميز بين الصحيح والخطا
    ويا ريت نوعى ونصبح رجال بدل ما فلان وعلان يضحك علينا
  • »هل ننتج مواطن ام دمية (بلال)

    الخميس 21 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    الجامعات في الاردن تعتبر مصانع لشباب الامة في الاردن والوطن الاسلامي والامثلة على مستوى العالم كثيرة جدا لا تبتدأ بوضاح خنفر ولا تنتهي بغيره من ابطال الاردن. استراتيجيا هل من الممكن ان تنتج جامعاتنا قيادات تمثل وطننا على مستوى العالم اذا ما استمرت هذه العقلية المتحجرة في ادارة شؤونها. ليس الاردن فقط هو المستهدف (..) جامعاتنا واقصاءها من المساهمة في نهضة الامة بل الوطن الاسلامي الشامل. وهنا نستطيع الاستدلال على من يقف خلف تدمير مصانع رجالنا.