جميل النمري

من دون مواعظ

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

غالبا ما دخلت فصائل حركات التحرر في صراع على السلطة بعد رحيل الاستعمار؛ فلم تكن الديمقراطية في تلك الحقبة (بين الخمسينات والسبعينات) على جدول الأعمال. وقد أقامت معظم حركات التحرر سلطة الحزب أو الحركة الواحدة. أمّا فلسطين، فقد تفردت في كل شيء، ابتداء من أنها الوحيدة التي دخلت القرن الجديد وماتزال تحت الاحتلال، والوحيدة التي دخلت مرحلة الديمقراطية والانتخابات قبل رحيل الاحتلال، كما الوحيدة التي تشهد اقتتالا على السلطة في ظلّ الاحتلال!

آخر ما يحتاج إليه المعنيون في الداخل مواعظ بشأن الاقتتال الداخلي؛ فحتى الشباب المنتشرون في الشوارع، بكامل عدّتهم واسلحتهم، يستطيعون إلقاء أطنان منها علينا جميعا. ولدينا رأي أن  الحرب الأهلية ليست واردة؛ فالشعب ليس منقسما لا طائفيا ولا عرقيا ولا جغرافيا، هناك فقط انقسام سياسي، بل تنويع سياسي عابر للرأي العام وللفصائل نفسها. واشتداد الخلاف يكفي لنشوب اقتتال فصائلي لا ينغمس فيه الشعب، أكان الخلاف على القرار السياسي، أو على الهامش المتواضع للغاية من السلطة المتاحة تحت الاحتلال.

خصوصية الشأن الفلسطيني تستنفر على الفور كل القوى في الداخل والخارج، وايضا الدول والهيئات العربية والاسلامية للتدخل، فلا احد يحتمل بعد كل شيء اقتتالا فلسطينيا، والمشهد تحت الاحتلال شديد الأذى. لكن تلك التي يجب أن نقولها، وهي ما يهمس به الناس على استحياء: أين يتلاشى كل هذا السلاح مع التوغلات الاسرائيلية؟ إذ يتوغل الاسرائيليون في احياء غزّة بدبّاباتهم ومجنزراتهم، فلا يكاد يحدث اشتباك جدّي واحد! وفي آخر حملة توغل دامت اسبوعين، قامت النساء بحركة بطولية يائسة لانقاذ الشباب المتجمعين في أحد المساجد.

حاشا أن نتقصد المزاودة. وحتّى نوضح وجهة نظرنا أكثر نقول: إنها معركة خسائر فقط، للشباب وللمدنيين وبيوتهم، مواجهة الدبّابات بأسلحة الميليشيا الخفيفة. غير اننا حين نسمع أن أحد شهداء الاشتباكات في محيط المستشفى أول من أمس أطلقت عليه مباشرة قذيفة "آر. بي. جي" نغضب كثيرا، فهذا السلاح نراه أيضا في الاستعراضات العسكرية، لكننا لا نراه ضد المدرعات الاسرائيلية! فالعمل المفضّل هو تسلل انتحاري يفجّر نفسه في سوق مدني، وهو أسوأ صورة للمقاومة في عيون العالم، وقد ارتبطت حرفيا بالارهاب! وكل هذه الكثافة من القوات التي تظهر في الاستعراضات على الشاشات، تحت مسميّات كثيرة، تكاد تكون بلا وظيفة ابدا عندما تدخل قوّات الاحتلال!

ليضع المعنيون هذا في حسابهم كسبب اضافي للانسحاب نهائيا من الشوارع، احتراما لأنفسهم وللناس.

الحال الفلسطيني راهنا لا يحتاج أكثر من قوّة شرطة متواضعة العدد والعدّة لضبط الأمن المدني، والباقي كلّه ليس الاّ حضورا سلطويا على الناس، وربما بطالة مقنّعة بالسلاح.

نختم بالقول إن جوهر المشكلة هو الانسداد السياسي، وكلّ المتوسطين بفضّ الاشتباك الراهن يجب أن يضعوا في الحسبان أن تحريك الحلّ السياسي بخطوات ذات أثر ملموس على الأرض، وفي حياة الناس، يكفل تخفيف حالة الاحتقان الداخلي. وسوف يكون عبّاس في موقف أقوى كثيرا ليضع حماس بين خيار حكومة الوحدة الوطنية او الانتخابات المبكرة حين يكون في الافق خطوات سياسيّة جدّية الى الامام.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق