جميل النمري

الجفر الأخضر

تم نشره في الثلاثاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

أخيرا أصبح ممكنا للمساجين الخروج من المهجع (فورة) لمدّة ساعة كانوا يتجولون خلالها في محيط ضيق يعلوه سور يتيح رؤية قمّة برج المراقبة فقط. أحد المساجين أخذ يحفر في الرمل الناعم لنصف متر تقريبا قبل الوصول الى الارض الصلبة، وفهمنا قصده عندما جلب ماء وأخذ يسقي عرقا يابسا عثر عليه على هذا العمق، لكن الجميع كان يسخر من فكرته بإحياء العيدان اليابسة منذ.. منذ متى؟ من الخمسينيات؟!

بعد أربعة ايام من المثابرة ووسط دهشة وذهول الجميع كان برعمٌ أخضر يبرز من عقدة العود اليابس. طفحت الوجوه بالبشر وسادت بهجة عارمة وخلال ايام كان النجيل الأخضر يتمدد ويتمدد ويتبارى الزملاء في نقل بعض العروق إلى زوايا اخرى في المكان، ولم يمض بعض الوقت الاّ وكان كل المحيط بساطا اخضر يانعا تحلو الجلسات عليه، ثمّ جرى الانتقال لزراعة أنواع مختلفة من الخضراوات في أحواض مرتبّة، وتحسّنت شروط الحياة تدريجيا وأصبح المهجع مفتوحا طول النهار بل تمّ فتح المهاجع على بعضها وأصبح النزلاء يقضون النهار في التزاور وتنظيم مباريات الشطرنج وطاولة الزهر وكرة الطائرة، وعادت الكتب تتدفق والقوى السياسية تعقد جلسات الحوار والتثقيف لأعضائها اضافة الى الاجتماعات المشتركة للتحاور والتفاوض على هامش تحالفات ومناورات معقّدة لانتخاب المسؤولين عن المهاجع وممثليها امام الادارة.

هذه الحكايةعن الجفر تعود لوقت غير بعيد (بالنسبة لنا) فقبل عشرين سنة (عام 86) تقرر اعادة فتح الجفر للسجناء السياسيين، وكان السجن الذي ضمّ السياسيين في الخمسينيات والستينيات قد فتح مرّة ثانية لسجناء أحداث أيلول السبعين، واعيد اغلاقه مع العفو الشامل عام 73. وفيما بعد كان السياسيون يرسلون في العادة الى سجن المحطة، وذات مرّة أعيد توزيعهم على السجون في مختلف المحافظات اثر تحرك احتجاجي، فأصبحوا مصدر ازعاج لكل السجون فأعيد تجميعهم في المحطّة على أمل أن يكونوا قد تلقنوا درسا، لكن بعد عام ونيّف حصلوا خلالها تدريجيا على كل مطالبهم حدث أن الادارة قررت اضافة شبك جديد ضيق على الشبك الواسع فقاد السجناء السياسيون اضرابا وحرضوا السجناء المدنيين على الإضراب فتقرر اعادة فتح الجفر وارسالهم اليه، لكن هذه قصّة أخرى، وكم من القصص تروى.    

مناسبة الموضوع هو القرار الملكي المشحون بالدلالة والرمزية بإغلاق هذا المعتقل الصحراوي العريق الذي يحظى بمكانة خاصّة في ذاكرة أجيال كاملة من السياسيين، وقد جاء قرار جلالة الملك بتحويل السجن الى مركز للتدريب المهني في مناسبة مفعمة بالدلالة أيضا وهي زيارته المركز الوطني لحقوق الانسان ولقاء اعضاء مجلس الأمناء والاستماع لإيجاز حول الحقوق المدنية والسياسية للأردنيين وأوضاع السجون.

[email protected]

التعليق