نساء على القمة

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

تُـرى كيف قد تبدو اجتماعات قمة الثمانية حين تنضم الرئيسة الأميركية هيلاري كلينتون والرئيسة الفرنسية سيجولين رويال إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل في مثلث رعب مؤلف من قوى نسائية؟ إن هذا السيناريو ليس مستبعداً. بل إننا سنجد مرشحتين بديلتين لمنصب الرئاسة في الولايات المتحدة وفرنسا( كونداليزا رايس في الولايات المتحدة،

وميشيل آليوت-ماري في فرنسا). هل يعني هذا ظهور أسلوب جديد في معالجة السياسة الداخلية والعلاقات الدولية.

إن الإجابة ليست واضحة. فمنذ قديم الأزل شهدنا في بعض النساء القوة والإرادة اللازمتين للوصول إلى القمة. ولنتذكر إنديرا غاندي، أو جولدا مائير، أو مارجريت تاتشر. والحقيقة أن النساء الثلاث كن رؤساء وزارة في غاية القوة لبلدانهن، على الرغم من أنهن لم يكن مثالاً لما قد يُـنْـظَر إليه باعتباره تجسيداً لقيم نسائية. لقد تفوقن على الرجال في لعبتهم ولم يكن لديهن حتى الوقت الكافي للنظر فيما اصطلح على تسميته بالمساواة بين الجنسين.

بل إن اتجاهاً آخر قد يكون أكثر ارتباطاً وأبلغ أثراً فيما يتصل بالزعامة السياسية. فإذا ما تحدثنا عن تشكيل الحكومات، سنجد أن النساء قد نجحن في الإفلات من سجن ميادين عملهن التقليدية، مثل التعليم والشؤون الاجتماعية. حتى أن السياسة الخارجية أصبحت مطمحاً نسائياً بصورة خاصة. ففي كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هناك امرأة تتولى إدارة الشؤون الخارجية؛ وكذلك هي الحال في حوالي ست من دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بريطانيا. ولكن هل أدى ذلك إلى تغيير أسلوب أو جوهر السياسة الخارجية؟

مما لا شك فيه أن العديد من أجزاء العالم تشهد تحولاً في الأساليب السياسية. وبعبارة قصيرة، يبدو أن فترة ريجان-تاتشر قد ولت ولن تعود. وبينما ما يزال معارضو العولمة يقاومون "الليبرالية الجديدة"، فقد اتخذ الحوار السياسي منعطفاً جديداً. حيث عادت كلمات مثل "العدالة" إلى الظهور كموضة سائدة من جديد؛ وهناك من يعرب عن مخاوفه بشأن الخاسرين بسبب العولمة وأهل "الطبقة الدنيا" من الناس.

وعلى نحو مماثل، أصاب ديفيد كاميرون زعيم المحافظين في بريطانيا المزيد من أنصار حزبه من أهل الطراز العتيق بالذهول حين قال إن الأشخاص الذين يفرج عنهم بعد قضاء مدة عقوبة في السجن "يحتاجون في المقام الأول إلى الحب". وحين وصف رئيس الوزراء توني بلير الانتخابات القادمة بأنها عبارة عن مباراة في الملاكمة، حيث سيخرج كاميرون بطل "وزن الذبابة" من الحلبة محمولاً بينما سيخرج براون بطل "الوزن الثقيل" منتصراً بعد مباراة قصيرة، نالت عبارته تصفيقاً وتهليلاً عظيمين من قِـبَل مؤيديه في مجلس العموم، إلا أن نفس العبارة لم تلق أي استحسان لدى الناخبين. لقد أصبح الناس، على نحو ما، يفضلون قيماً "أكثر لينا"، على عكس ما كان سائداً طيلة العقدين الماضيين.

إلا أننا لا نستطيع أن نقول إن النساء الرائدات هن اللاتي يمثلن هذه القيم في المقام الأول. فربما أصبحت ميركيل أكثر ليناً بسبب اضطرارها إلى ترأس ائتلاف أكبر، إلا أن موقفها الأصلي كان أقرب إلى صرامة أسلوب ريجان-تاتشر. ومما لا شك فيه أن يوليا تيموشينكو كانت واحدة من أشجع زعماء الثورة البرتقالية في أوكرانيا، كما لم نسمع أحداً يصف هيلاري كلينتون "باللين" على نحو خاص. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فعلى الرغم من أن منافسها الجمهوري في العام 2009 السيناتور جون ماكين بطل من أبطال الحرب إلا أنه أيضاً رجل يمثل القيم اللينة الجديدة في نظر العديد من الأميركيين.

واجهت ميركيل وقتاً عصيباً أثناء إعدادها لمؤتمر حزبها الأخير حين عمد يورجين راوتجرس الوزير الرئيس لأكبر ولاية ألمانية، ويستفاليا شمال الراين(North-Rhine Westphalia)، إلى تذكير الديمقراطيين المسيحيين بتأييدهم التاريخي لانتهاج سياسات قوية فيما يتصل بالضمان الاجتماعي. إن رويال فقط هي التي نستطيع أن نجزم بأنها تمثل الخط اللين في مواجهة نيكولاس ساركوزي ممثل الخط المتشدد في الحزب الحاكم.

هل نقول إذاً إن النساء على القمة أو النساء القريبات من القمة لم يحدثن فارقاً حقيقياً في السياسة؟ إن كن قد أتين بأي تغيير فإن هذا التغيير لم يكن واضحاً. فمن ناحية نستطيع أن نقول إن تقدم النساء هو ببساطة العاقبة الطبيعية للحركة التدريجية نحو المساواة الحقيقية في الفرص، والتي بدأت أثناء ستينيات القرن العشرين. لقد استغرق الأمر عقوداً من الزمان حتى يتحول إلى حقيقة، وما زال الطريق طويلاً أمام العديد من الدول. فعلى الرغم من الدور الرائد الذي لعبته تيموشينكو في أوكرانيا، إلا أنه من الصعب أن نتخيل رئيسة روسية خلفاً للرئيس فلاديمير بوتن على سبيل المثال، وعلى الرغم من وجود نائبة للرئيس في الصين، إلا أننا لا نرى أية دلالة تشير إلى احتمال تولي امرأة لمنصب رئيس الوزراء في اليابان قريباً.

وحتى مع هذا فقد أحرز النساء في العديد من أجزاء العالم تقدماً معقولاً على المسار إلى القمة. وكان هذا في العديد من الأحوال بفضل انتهاج سياسات غير متحفظة. على سبيل المثال، كثيراً ما نستمع إلى ديفيد كاميرون وهو يتفاخر بحملته الناجحة في جعل 40% من كافة المرشحين المحافظين في البرلمان البريطاني من النساء.

إلا أن هذا بالتحديد هو بيت القصيد. فالتغيير الطارئ على المشهد لم يكن بفضل النساء اللاتي وصلن إلى القمة. بل إن الأمر راجع إلى اتجاه عام مدعوم من جانب زعماء متفتحين من كلا الجنسين، نجحوا في تغيير المناخ السياسي السائد في بلدانهم. ولا يستطيع أي سياسي، سواء كان رجلاً أو امرأة، أن يطمح اليوم إلى ضبط نبرة الحوار العام دون أن يدرك أن السياسة لم تعد لعبة مقتصرة على الرجال فحسب. أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن التطبيع من خلال المساواة في الفرص هو في حد ذاته التغيير الذي نتحدث عنه. وأياً كانت القيم الخاصة التي يتبناها أي من كبار المرشحين، فإن هذا يشكل تقدماً أكيداً بكل المقاييس.

رالف دارندورف مؤلف العديد من الكتب والمفوض الأوروبي من ألمانيا، وهو عضو في مجلس اللوردات البريطاني، والرئيس الأسبق لكلية لندن لعلوم الاقتصاد، والأمين العام الأسبق لكلية سانت أنطونيو بأكسفورد.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع مؤسسة بروجيكت سنديكيت

التعليق