محمد أبو رمان

التدخل الاضطراري في العراق بداعي الأمن

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

الاستعداد للأخطار المحدقة (1)

 

يبدو الأردن محاطاً ومحاصراً بالأزمات الإقليمية والتوترات الأمنية الجدية، ومصالحه وأمنه أمام أخطار محدقة بالفعل، تبدأ من هاجس هجرات كبيرة جديدة، سواء من الشرق أو الغرب، وربما من الشمال، مروراً بانتعاش الظروف والشروط المناسبة لنمو الراديكالية والجماعات المتطرفة عابرة الحدود، وصولاً إلى احتمال تبني سياسات وخيارات تراجيدية، لا يُفضِّلها صانع القرار الأردني، لكنه قد يلجأ إليها مضطراً لحماية أمنه ومصالحه الحيوية. ويعبر مسؤول رفيع عن خطورة الوضع الإقليمي بقوله: "إنّ الاحتمالات الأفضل سيئة. فكيف ستكون الاحتمالات الأسوأ"!

القراءة الاستراتيجة الأردنية للمشهد العراقي تربط المصالح الوطنية والحيوية (الأردنية) بنجاح العملية السياسية، وهو ما لا يتم إلا بإدماج السنة، والتخلص من عمليات الميليشيات والعناصر المسلّحة، واستقرار الأوضاع السياسية والأمنية، لكن هذا السيناريو -الإيجابي- يلتقط أنفاسه الأخيرة، اليوم، تحت وطأة الصراعات الدموية وعمليات التطهير العرقي، التي تجري على قدمٍ وساق في بغداد وغيرها من المدن، وبالتحديد مدينة الحرية التي تشهد ترحيلاً جماعياً للعائلات السنية في الأسابيع الأخيرة.

نجاح العملية السياسية، وربما الحفاظ على وحدة العراق السياسية، يكمن في قدرة المالكي على مواجهة تحدي الصدر وميليشيات المهدي وتجاوز عقبات شيعية تعارض إعادة النظر في مجمل العملية السياسية بحيث لا يتم استبعاد كافة عناصر البعث والجيش العراقي السابق، ويتم إصلاح الجيش الحالي والقوات الأمنية. فإذا تمكن المالكي من القيام بمهمته - التي اتفق عليها مع الرئيس بوش في لقائهما في عمان آواخر الشهر المنصرم- فسوف يدفع باتجاه تحسين الشروط السياسية والحد من العنف، لكنه احتمال ضعيف للغاية، لأسباب متعددة أولها أنّ القرار الشيعي ليس بيد المالكي وحده، فهنالك قوى شيعية نافذة تعرقل هذا التوجه، وثانيها أن جزءاً كبيراً من النفوذ والقوة سواء لدى السنة والشيعة انتقل من السياسيين إلى الميليشيات والعصابات المسلّحة.

على الجهة المقابلة، فإنّ الاحتمال الأقرب، والأخطر على مصالح الأردن وأمنه، هو فشل العملية السياسية، وعجز الإدارة الأميركية عن وضع حدٍ للتدهور الحاصل، ورفضها في الوقت نفسه تطبيق توصيات تقرير هاملتون- بيكر بالحوار مع كل من إيران وسورية، وما يتضمنه هذا الحوار من تنازلات واستعداد لصفقات، لا تبدو الإدارة الحالية مؤهلة لها في السنتين القادمتين. في هذا السياق فإنّ البديل أمام الأميركيين - وهو الخيار الذي تتيناه دول أوروبية ومؤسسات أميركية- يتمثل بتقسيم العراق، على غرار ما حدث في البوسنة، لكن مع فارق كبير بين الحالتين؛ فاتفاق البوسنة (دايتون2) كان يحظى بدعمٍ إقليمي كاملٍ ساعد على نجاحه، على النقيض من الحالة العراقية، التي لن تسمح بتقسيم العراق سلمياً، من دون حمامات دماء.

السيناريو العراقي السيئ، يعني فوضى وتطهيرا طائفيا ودمارا داخليا، سيدفع بملايين العراقيين إلى الهروب والهجرة إلى دول الجوار. ووفقاً لتوقعات رسمية؛ فالمرجح أن يلجأ إلى الأردن قرابة مليوني عراقي، ما لا يمكن أن يتحمله الأردن بأي حال من الأحوال اقتصادياً وخدماتياً، والأهم من ذلك أمنياً، كما لا يملك الأردن أن يغلق حدوده أمام اللاجئين والهاربين من حمامات الدماء والفوضى وغياب الشعور بالأمن، فإذا كان مئات اللاجئين الفلسطينيين، من العراق، في مخيم الرويشد قد سببوا مشكلة إنسانية وسياسية كبيرة مع المنظمات الدولية والإنسانية، ومورست ضغوط كبيرة لاستيعابهم، فكيف سيكون الحال مع ملايين مهددين على الحدود؟

في هذه الحالة يرى مسؤول رفيع أنّ الأردن سيكون مضطراً، بالفعل، لإرسال عشرات الآلاف من الجنود إلى غرب العراق، لتأمين الحماية للسنة العراقيين في تلك المناطق، منعاً للنزوح الجماعي، وهذا يعني احتمالاً كبيراً لمواجهات بين الجيش الأردني وبين منظمات راديكالية معادية للنظام الأردني، في تلك المناطق كشبكة القاعدة ومجلس شورى المجاهدين وغيرهما، وربما يدفع ذلك إلى الاشتباك مع خطوط سياسية وجغرافية أكبر وأسخن من الفوضى الأمنية والنفوذ الإيراني.

هذا الاحتمال موضع دراسة جدية في دوائر صنع القرار، وتدرس تداعياته بصورة تفصيلية، وفي حال تم وقوعه سيكون اعتماد الرئيس للحكومة - بالإضافة إلى الوجود العسكري والأمني، والدعم العربي المتوقع أن يكون كبيراً من ناحية سياسية ومالية- على العلاقة الوطيدة التي تقيمها المؤسسات الرسمية مع قيادات ورموز سنية عراقية، ممن يترددون على الأردن بين الحين والآخر، وسيكونون عمودا مهما من أعمدة الوجود الأردني في العراق لعدة أسباب؛ أولها أنّ الجيش الأردني سيحمي السنة، ويوفر لهم سياجاً أمنياً وعسكرياً، وسيحد من احتمالات الفوضى في المناطق السنية، وثانيها أنّ مصالح السنة السياسية تكمن مع المحيط السياسي العربي، الذي يشكل الأردن فيه رأس الحربة، وثالثهاً أن الأردن هو المتنفس الوحيد لهم، إذ أنّ ارتباطهم بالنظام السوري غير مأمون الجانب وغير مريح لكثير منهم، كما يؤكد عدد من القيادات السنية العراقية.

هذا الخيار، لا يستبعده مسؤول بارز في الحكومة، لكن يعتبره الخيار الأخير، غير المفضّل، فهو "مفروض" لحماية المصالح الحيوية والأمن الوطني. ويتضمن كلفة أمنية وسياسية وإنسانية كبيرة، بخاصة أنّ الأردن يستقبل على اراضيه إلى الآن مئات الآلاف من العراقيين.

في المقابل، فإنّ هذا الخيار سيورط الجيش الأردني في مناطق متوترة ومأزومة، وأوضاع غير مستقرة، ما قد تكون له كلفة معتبرة، وسيعزز من الرواية والدعاية المعادية للأردن ودوره الإقليمي، التي تشارك فيها أقلام وجهات سياسية محلية، بالإضافة إلى تلك الإقليمية، ما سيدفع بسؤال موقف الرأي العام في ظل هذه الأوضاع الخطيرة إلى الواجهة.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق