منار الرشواني

مواجهة إيران تبدأ بمواجهة إسرائيل

تم نشره في الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

لحشد مئات الألوف أو حتى الملايين من العامة، إضافة إلى مئات أو أكثر من المثقفين الذين يفترض أنه قادة الرأي العام العربي وصانعوه، كان ولا يزال يكفي زعيماً عربياً يفتقد إلى أي شرعية داخلية، أن يعتلي المنصة لتحدي إسرائيل، وادعاء معاداتها لفظاً فقط، من دون إطلاق رصاصة أو "تحرير زيتونة أو إرجاع ليمونة"، كما يقول نزار قباني.

ثمن ذلك معروف للجميع: فساد وتخلف يفتك بالوطن لإثراء النظام، وقبل ذلك وبعده أرواح مواطنين ودماؤهم. وهو ثمن يبدو مقبولاً تماماً من قوميين وإسلاميين عرب ديمقراطيين في بلدانهم فقط، لأن المقصلة لا تطال رقابهم، فالشعار المرفوع من دون أدنى خجل أو وجل: "سنقاتل حتى آخر عربي (شقيق!)"، مع أن العربي الشقيق لا يموت على جبهة التحرير ضد إسرائيل، بل في زنازين النظام "الوطني" القومي العتيد.

اليوم، يبدو أن ثمة حادياً آخر أتقن "اللحن السر" لسوق القطيع، لكن مع اختلاف الثمن.

فالرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بات يجده مثمراً إلى أبعد مدى الحديث عن إزالة إسرائيل عن الخريطة، أو نقلها إلى أوروبا، ثم إنكار المحرقة، وصولا إلى عقد مؤتمر دولي حول المحرقة النازية لليهود (الهولوكوست). وحتى تصدق الأفعال الأقوال، فإن إيران هي الداعم الأول، مالياً وسياسياً، لحزب الله الذي يتصدى لإسرائيل، وهي الممول المهم، ولربما الأوحد، لحكومة حماس التي تخضع لحصار دولي وإقليمي وعربي، منذ تشكيلها. لكن ما هو الثمن؟

الثمن المؤكد حتى الآن هو العراق! ففي ذروة استبسال حزب الله المصنوع والمدعوم إيرانياً في مواجهة العدو الإسرائيلي، وبالتالي في ذروة شعبيته في الشارع العربي، كانت المليشيا المدعومة إيرانياً أيضاً تستبيح العراق، مواطنين وعلماء وطيارين شاركوا في الحرب العراقية-الإيرانية! ومن حيث شاء العامة العرب وقادتهم –القوميون والإسلاميون- أو أبوا، فهم كانوا لأجل "نصرا" ملغزا في نتائجه وتبعاته يقدمون العراق هدية مجانية لإيران بصمت مطبق على دورها في العراق، كما يقدمون لبنان اليوم على مذبح حرب أهلية باسم ذات النصر.

ليس مهما الآن إلقاء اللوم على العامة أو مثقفي الندوات واللقاءات التلفزيونية والتظاهرات الجوفاء، إنما اللوم الحقيقي يقع على النخب السياسية العربية التي تخاف ضياع العراق نهائياً، مع انسحاب أميركي عاجل أو آجل، بمفاوضات مع إيران أو من دونها؛ ولوم هؤلاء هو على عدم مواجهة إيران مبكراً.

وإذا كان منطقياً تماماً القول "أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل ابداً"، فإن أول خطوة في أي مواجهة عربية فاعلة لإيران، لا لإنقاذ العراق فحسب بل وكذلك لبنان وغيرهما من الدول العربية، تكون بتجريد إيران من "إبرة المخدر" التي تستخدمها لتحييد الشعوب العربية على أقل تقدير، ريثما تنتهي من إنجاز مطامحها الإقليمية، وهذا المخدر ليس إلا الزعم بمعاداة إسرائيل، في زمن يسعى فيه العرب إلى تسوية سلمية.

ففي ظل المزايدات الإيرانية، مباشرة أو عبر وكلاء، على القضية الفلسطينية، تحتاج الدول العربية التي تتخوف على عروبة العراق، واستقرار لبنان وغيره، إلى استعادة شرعية خطابها في هذا الصدد، والذي لا يتأتى إلا بموقف فعلي متشدد وواضح في مواجهة الحليف الأهم لإيران، أي إسرائيل، كما في مواجهة أميركا التي تدعمها بلا حدود.

فإسرائيل بجرائمها التي لا تتوقف بحق الشعب الفلسطيني تبدو اليوم أكثر من يمنح الشرعية لكل التصرفات الإيرانية في العراق، وتحقيق اختراقات خطيرة  في بلدان عربية أخرى. وحين يكون الحديث الواضح والمباشر إلى إسرائيل وأميركا موازياً للحديث عن الخطر الإيراني، تفقد إيران غطاءها الذي تتستر تحته للتوغل في العمق العربي، ووصولاً إلى فرض حكوماتها.

وبدلاً من أن تحاول إسرائيل إظهار نفسها في صف العرب في مواجهة المطامع الإيرانية، حريّ بالعرب مطالبتها بالانسحاب من مزارع شبعا اللبنانية، الذريعة المتبقية لإشعال التوتر في لبنان، وكذلك إيقاف جرائمها بحق الشعب الفلسطيني. 

لا يمكن القبول تحت أي ظرف كان، ومن أي طرف كان، بالمفاضلة في الأهمية بين العراق وفلسطين وفق أي معيار، ديني أو سياسي أو سواهما، لأن المحصلة الحتمية لهكذا مفاضلة أو معادلة هي خسارة فلسطين والعراق معاً.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بين العراق وفلسطين (ولاء حمد)

    الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    حيث أن المفاضلة غير مقبولة تحت أي معيار،وجب تنبيه العرب بأن ما ألت إليه الأوضاع في فلسطين والعراق لا يخرج عن إطار النتيجة الحتمية لهذه الممارسات من إنكار الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة فالعرب لايشعلون شمعة ولا ينفكون يلعنون الظلام.
    أعتقد أن العرب بحاجة إلى ترتيب أكثر لمواقفهم ، خصوصا موقفهم من الدور الذي تلعبه إيران في كل من العراق وفلسطين.
  • »براميل الحرية (yousef)

    الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    يبدو ان للعراق مصيرين لا غير. اما تحويل العراق الى دولة خليجية اخرى ذليلة خنوعة مطيعة في محور الذل لأمريكا واما دولة جزء من جبهة رفض وتصدى للقتل والنهب الأمريكي الصهيوني في محور الحرية يبدا في طهران وتمر في بغداد ودمشق وبيروت وغزة.

    مثقفوا براميل البترول لم ولن يكونوا ابدا محل ثقة الجماهير العربية.