إبراهيم غرايبة

قوة السأم

تم نشره في الثلاثاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

أتوقع أن يكون السأم مدخل الإصلاح والتغيير في المستقبل القريب، فقد بدأت هذه الطاقة (السأم) تتحول إلى محرك بديل للرأي العام والمجتمعات والطبقات الاجتماعية والمهنية المختلفة، وتشكل بديلا لدوافع ومصالح سابقة تكرست في المجتمعات والدول باعتبارها محددا للتفكير والمواقف، مثل الاحتجاج والغضب والخوف والفساد والدهشة.

ثمة اعتقاد سائد، يمكن ملاحظته بوضوح لدى المثقفين والسياسيين والتجمعات والفئات المختلفة، بأن العملية السياسية والتنموية تسير كما يقول المثل الشعبي "شايف الضبع ويقص أثره"، وأظن(وأرجو أن أكون مخطئا) أن أحدا لم يعد يقتنع بجدوى معظم إن لم يكن جميع البرامج والسياسات التي تحظى بتغطية إعلامية هائلة، ولكنها لا تختلف عن طبخ الحصى، ولم يعد أحد ينتظر ليرى ما في قدر الحكومات والمؤسسات والجماعات والأحزاب والنقابات؛ التشكيل الحكومي والتعديل، المؤتمرات التي تتحدى قدرة الصحف والمؤسسات المتخصصة على توثيقها وتغطيتها، واللقاءات المضادة والمؤيدة، والاحتفالات بالمناسبات الدينية والوطنية، والمبادرات السياسية والاقتصادية، وتشجيع الاستثمار والسياحة، وتجمعات منظمات وهيئات المجتمع المدني، وبرامج المؤسسات الدولية ومؤتمراتها ومشاوراتها وأموالها أيضا، والصحافة التي لا تكل من استنزاف الغابات وتكاد تطبع كل شيء، والمحطات الإذاعية والتلفزيونية التي يغض بها الفضاء، وملايين الطلاب والموظفين وربات المنازل والعاملين الرائحين والغادين، والموبايلات التي لا تتوقف أبدا والشاحنات وصهاريج الماء والنضح والتاكسيات والجرافات، والاجتماعات والمحاضر والشعر الحر والعمودي والحداثة وما بعد الحداثة ونهاية التاريخ وصراع الحضارات، والإشارات الضوئية في جرش وعجلون والتي لا يفهم أحد الهدف منها سوى أنهما(جرش وعجلون) أصبحتا محافظتين وتستحقان إشارات ضوئية تليق بهما حتى لو لم يكن ثمة تقاطعات وشوارع أو في أوقات من الليل تخاف أن تهاجمك الضباع والذئاب وأنت تنتظر وحدك في منتصف الليل مرتجفا من الخوف والبرد الإشارة الخضراء التي تخشى ألا تأتي أبدا. لإنها برامج وخطط ومشروعات لم تعد مسلية سوى للمشاركين فيها والذين تحولوا إلى مدمنين للعلاقات العامة الفاشلة والتي يدركون فشلها، لكنها قادرة دائما على الإغواء الذي يحتاج إلى تدخل علاجي، وأخشى أن يكون مؤلما بل وكارثيا.

تقول الحكومة الرشيدة إن حد الفقر يساوي دخلا شهريا مقداره 502 (لماذا ليس خمسمائة) دينار، وتعلم بذلك أنها تدير البلد بفريق عملاق من الفقراء والمحرومين، ولم يقل أحد كيف يمكن لكل هذه الخطط والبرامج والأفكار أن تواجه الفقر وترفع مستوى معيشة الناس، وما العلاقة بين الإنجازات التي تسوق على أنها انتصارات استثمارية واقتصادية وبين التنمية التي تؤدي إلى الرفاه ومكافحة الفقر والذي لن تحل من مشكلته فرص العمل الموعودة والتي يعلم المواطنون أنها فرص أقرب إلى السراب، ستطير العادية منها إلى العمالة الوافدة ليس بسبب عزوف المواطنين، كما يراد لنا أن نعتقد، ولكن بسبب الظروف غير الإنسانية للعمل، وأما المليئة منها فلن تخضع للتنافس العادل.

يقول بروفيسور خريج جامعة أميركية ويتقن الانجليزية، ويشغل موقعا مهما ورفيعا في المؤسسات والبرامج التنموية، إن ما ينفق لمواجهة الفقر يزيد على السبعمائة مليون دينار سنويا ولكنها أموال لا تكاد تحقق هدفها، وإنه يمكن بمائة مليون تحقيق نتائج فعالة تفوق بأضعاف كثيرة النتائج المتحققة.

الموضوع في بلد يقوم اقتصاده على العمل والمهن ليس هامشيا، ولا مشكلة صغيرة لا تستحق الاهتمام السياسي والإعلامي والرسمي والتنموي ولكنه جوهر السياسة والتنمية السياسية. فالديمقراطية الموعودة ليست في تشكيل الأحزاب والانتخابات والتظاهر والاعتصام والنقد، ولكن في الأعمال والمهن التي تحقق تقاعدا وتأميناً صحيا ورعاية اجتماعية وتعليما معقولا للأبناء ومستمرا لجميع الناس الذين يواجهون تحديات في القدرة على البقاء في أعمالهم ومهنهم في عالم متغير.

إتاحة الديمقراطيات والحريات والأحزاب السياسية والعمل العام والسياسي والشعبي والتطوعي في حالة من الفقر والسأم لا يختلف عن إتاحة الكافيار والماس والفراء للمواطنين الذين كانوا يعيشون في قرية السبيرة بدخل شهري للعائلة لا يتجاوز خمسا وعشرين دينارا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »آليات مكافة الفقر (سامح المحاريق)

    الثلاثاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    والمشكلة أن العاملين على مكافحة الفقر مصرين على بناء مؤسسات مترفة لعملهم تحتشد بمئات الخبرات الغير ضرورية، وحتى من ينطبق عليهم لقب اقتصاديين فهم خريجي مدرسة اقتصادية واحدة ويحملون وجهة نظر أحادية تجاه مشكلة الفقر، وغالبا هم غير قادرين على مواجهة الفقر عمليا وميدانيا ويكتفون بكتابة تقارير عاطفية من شرفات مؤسساتهم، مع وجود بعض المصورين المحترفين لإضافة القليل من النكهة.