منار الرشواني

مصارحة إيران

تم نشره في الاثنين 4 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

إذا كان هناك ثمة إجماع في الولايات المتحدة بشأن أي من مداخل الخروج من المستنقع العراقي، فليس ذلك إلا بشأن الحوار مع إيران؛ لا ينتقص من هذه الحقيقة، إنما يعززها، التناقض والتخبط الذي تظهر عليه تصريحات الإدارة الأميركية في هذا الصدد.

وحتى بين الدول العربية هناك من يطالب الإدارة الأميركية بالانفتاح على إيران والحوار معها -بديلا عن التشدد والقطيعة- بشأن الملف العراقي كما الملف النووي. وهؤلاء تتباين دوافعهم وراء هذه الدعوة وتتنوع، منطقيا، بحسب مخاوفهم وتطلعاتهم.

فالمتحالفون مع إيران، أو التابعون لها في الحقيقة، يرون في الإقرار بالهيمنة الإيرانية إقليميا دعما لأنظمتهم المتهالكة، ونوعا من شراء الوقت قبيل استحقاق أوان سقوطها. أما على الطرف الآخر، فيرى المتخوفون من دور إيران في حوار أميركي-إيراني فرصة لتحجيم نفوذ الجمهورية الإقليمي، عبر التوصل إلى اتفاق بشأن استراتيجية إقليمية مدعومة دولياً تضمن استقرار المنطقة، لا سيما وأن إيران تبدو اليوم، وبفضل سياسات الرئيس بوش وأركان إدارته، متحررة من أي ضغوط أميركية، ما يجعلها صاحبة الكلمة العليا حتى في الشؤون الداخلية لبلدان عربية.

لكن أي حوار أميركي-إيراني لا بد وأن يكون على حساب المصالح القومية العربية، لا بالمعنى الأيديولوجي، بل بمفهوم المخاطر السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ في العراق، ولبنان، وبلدان الخليج العربية وغيرها، ليكون السؤال الجدير بالطرح: لماذا لا يكون هناك مصارحة أو "حوار قوة" عربي-إيراني مباشر بدلاً من أن يكون عبر وكيل غير نزيه؟

من هنا تبدو أهمية مقال نواف العبيد في صحيفة واشنطن بوست، بتاريخ 29 تشرين الثاني الماضي. ورغم أن العبيد -الذي يعمل مستشارا للحكومة السعودية ومديرا إداريا لمشروع تقويم الأمن الوطني السعودي بالرياض، وزميلا مشاركا في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن- لم يكن يعبر إلا عن وجهة نظره الشخصية وليس عن "سياسة سعودية رسمية"، كما ذُكر ذلك في نهاية المقال، وأكده بيان رسمي سعودي، غير أن الاساس الذي ينطلق منه المقال، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف بشأن السياسات المتضمنة فيها، يبدو خياراً لا بديل عنه اليوم بالنسبة للدول العربية، لا فيما يتعلق بالعراق فحسب، بل وكذلك كل البلدان العربية التي تمتد إليها الأيدي الإيرانية، ويتلخص هذا الأساس أو الجوهر في أنه لم يعد ممكناً ولا مقبولاً ترك يد إيران مطلقة في العالم العربي، سياسياًَ أو عسكرياً، خصوصا بعد أن تبين أن المسألة باتت صراع بقاء في العراق، مواطنين وعلماء وغيرهم.

لكن إذا كان الأفضل هو تجنب مواجهة فعلية بين العرب وإيران على أرض العراق (وربما لبنان) -وهي المواجهة التي وضع العبيد سيناريو لها- فإن أولى الخطوات الرادعة هي تخلي العرب عن التزام الصمت التام، أو دبلوماسية الأحاديث العلنية على الأقل، إزاء الدور الذي تمارسه إيران في العراق ولبنان وسواهما، وقد آن الأوان لمصارحة إيران بأن حربها غير المعلنة وبالوكالة على العرب تستدعي توقع رد فعل عربي من باب الدفاع المشروع عن النفس.

وموقف عربي من هذا القبيل لا يمكن أن يفسر، ولا يجب ان يكون ضمن استراتيجية أميركية لاحتواء إيران أو مواجهتها، بل هو ضمن استراتيجية واضحة بأهداف ومصالح عربية خالصة، تكتسب كل المشروعية.

يمكن اعتبار الموقف الأردني والسعودي والمصري الداعم للحكومة اللبنانية في خضم الأحداث الجارية في لبنان، والذي هو إحدى ساحات الدور الإيراني النشط، مؤشرا أوليا إيجابيا على رؤية عربية مشتركة وفاعلة لمواجهة محاولات الاختراق الإيراني للعالم العربي، بمال "الإعمار" في لبنان، أو بمال شراء أسلحة تكفي فرق القتل والتعذيب في العراق.

والمطلوب هو ترسيخ هذا الموقف المشترك وبلورته استراتيجيةً عربيةً واضحة، سيما وأن الدول الثلاث ذات تاريخ مستقر وليس طارئا في التعاون، وهي دول تتمتع بالنفوذ العربي والإقليمي والدولي، بما يكفل لها النجاح من دون انتظار أميركا العاجزة.

[email protected]

التعليق