إرهاصات توتر إقليمي

تم نشره في السبت 2 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

يدور النقاش العام في واشنطن هذه الأيام حول نقطتين رئيسيتين: الأولى، أن رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، ليس على قدر المسؤولية المطلوبة. وقد سُرّب للصحافة الأميركية تقرير أعده مستشار الامن القومي هادلي، يلقي بظلال الشك على قدرة المالكي على السيطرة على الأمور. أما القضية الثانية التي تكتسب زخما متزايدا اليوم، فتتمثل في ضرورة انسحاب القوات الأميركية بسبب (وكما ذهب إلى ذلك هنري كيسنجر) استحالة الانتصار في هذه الحرب، وعدم رغبة الاميركيين في القيام بمهام هي من صلب واجب العراقيين.

ويبدو ان الجانب العربي يلتقط هذه الإشارات بكل وضوح. ويخشى السُّنة تحديدا من أن انسحاب القوات الاميركية من العراق سيؤدي الى "اشتعال" الحرب الاهلية المشتعلة في الواقع!

ومشكلة دول الجوار، بما فيها إيران، خشيتها -في حال انسحاب القوات الاميركية واستمرار التقتيل العراقي الداخلي بهذا المعدل المجنون- من سقوط العراق في أيدي أي دولة من دول الجوار. والفرق أن موقف الدول العربية دفاعي بطبيعته، فيما موقف إيران هجومي، ويهدف إلى استثمار ورقة العراق لتعزيز موقع إيران الجيو-استرتيجي في منطقة الخليج، وتقوية موقفها في الملف النووي.

من هنا نتفهم تململ السعودية، وإرسالها إشارات واضحة تتحدث عن تغيّر في التفكير الاستراتيجي السعودي، بحيث يمكن لها أن تتدخل بالوسائل كافة لمنع وقوع العراق في أيدي إيران، ولمنع إفناء السُّنة في حرب أهلية يمتلك الشيعة فيها كل مقومات النصر.

وقد كتب نواف عبيد (المستشار الامني في الحكومة السعودية) مقالا في صحيفة واشنطن بوست، يوم الاربعاء الماضي، تحدث فيه عن عدم قدرة السعودية على اتخاذ موقف المتفرج في حال انسحاب الولايات المتحدة من العراق. مؤكدا امكانية إرسال السلاح والأموال الى السُّنة في العراق، لان السعودية تفقد جزءا من شرعيتها إذا ما غضت الطرف عن تصفية أبناء هذه الطائفة.

ويجيب السيد عبيد عن أسئلة حرجة تتعلق بموضوع النفط في حال تدخل السعودية في العراق. إذ تستطيع السعودية اغراق السوق النفطية بما يخفض الأسعار، من دون أن يؤثر ذلك على دخل السعودية وقدرتها على الصمود، فيما يؤثر ذلك بشكل سلبي، في المقابل، على قدرة إيران على الاستمرار في دعم الشيعة. بمعنى آخر، ستشن السعودية حربا اقتصادية على إيران إذا ما لزم الامر. ووفق تقديرات السيد عبيد، فان كلفة التدخل في العراق والانجرار الى حرب اقليمية أقل من السماح لإيران وميلشيات الشيعة بالسيطرة على العراق واضطهاد السنة.

وبالرغم من أن هذا الموقف ليس موقفا رسميا، الا انه يعكس شكل التفكير السعودي الجديد.

مشكلة دول المحور السني المتمثلة في احتمالية وجود ايران على حدود السعودية والاردن وسورية مشكلة استراتيجية وأمنية من الطراز الاول. فوجود الشيعة في المنطقة الغنية بالبترول في السعودية، ووجود أكثرية شيعية في البحرين، يزيدان من حرج الموقف بالنسبة إلى هذه الدول. أما بالنسبة لإيران، فإن وقوع العراق في أيدي السنة يعني وصول السلفية السنية الكارهة للشيعة الى حدود إيران.

وإذا لم تتم معالجة الأمور بشكل سريع وحازم وحكيم، فان العلاقات الايرانية-العربية ستتحول الى لعبة صفرية في أمد ليس ببعيد. ويبقى المستفيد في هذه الحالة إسرائيل، عندما تنشغل المنطقة برمتها بصراع اقليمي قد يستمر لسنوات طويلة، مع هدر كبير لمقدرات الشعوب، من أجل لعبة النفوذ والقوة في الاقليم.

الموقف الأميركي الرسمي لايزال يتمحور حول بقاء القوات الأميركية حتى تحقيق النصر، لكن يبدو ان توصيات بيكر-هاملتون ستشكل ضغطا كبيرا على ادارة الرئيس بوش، وستعجل برحيل القوات الاميركية. ويفهم المالكي هذه المعادلة، وهو لذلك يصر على التعاون بشكل أوثق مع مجموعة الصدر، لان حكومته تعتمد على دعمها.

وبناء على كل ما ذكر، يتوجب على حلفاء أميركا في المنطقة الضغط على الولايات المتحدة للاشتباك مع ايران وجعلها جزءا من الحل، بدلا من اقصائها وتحويلها الى وقود ينصب على الغليان الطائفي في العراق. وثمن الضغط على الولايات المتحدة والتسبب في انتكاسة بالعلاقات معها أقل كلفة من الانجرار الى حرب اقليمية ليس من رابح فيها الا إسرائيل.

التعليق