سلوك ديمقراطي

تم نشره في الخميس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

ما تتميز به بعض الديمقراطيات ومنتجاتها، من سلوكيات ومسؤولين، ليس صندوق الاقتراع؛ فمشهد الصندوق أصبح متوفراً في دول مغرقة في الديكتاتورية، وأخرى تبدأ طريقها نحو الديمقراطية، وثالثة قطعت اشواطا طويلة في هذا المجال. لهذا، لم يعد الصندوق والاوراق داخله معياراً للديمقراطية.

دراسة بعض نماذج الديمقراطية في العالم تذهب بنا الى سلوك وممارسة متقدمين، يقومان على الاعتراف بالخطأ ان حدث والاعتذار. واذا ما كان مستوى الخطأ كبيراً، قد يدفع المسؤول موقعه وامتيازاته ولقبه ثمناً. وهذا الأمر ليس قانونا وفق انظمة الخدمة المدنية، بل جزء من اخلاقيات الديمقراطيات السليمة.

أما اذا انتقلنا الى مستوى أكبر من هذه السلوكيات، فهنالك نقد الذات، ومراجعة للسيرة العملية؛ فلا يضير هؤلاء أو ينقص من قدرهم ان يكتب أحدهم او يتحدث عن مسيرة كان فيها صاحب قرار، وأنه بعد المراجعة وجد نفسه قد أخطأ في تبني سياسة ما، او اتخاذ قرارات كبرى، او ابعاد أشخاص او اسناد المسؤولية في مواقع هامة لآخرين، وغيرها من السلوكيات التي ترتبت عليها آثار مست الناس او الدولة او المؤسسات التي شغل فيها هذا الشخص مواقع هامة او قيادية.

في بلادنا ومحيطنا ليس لدينا ثقافة الاعتذار عن الخطأ، او سلوكيات الاعتراف ومراجعة الذات والنقد الداخلي، بل لدينا سلوكيات التبرير والدفاع، والبحث عن الضحايا من غيرنا! ولهذا، فقد يخطئ مسؤول في حكومة او حزب او جمعية، او نائب او عين، لكنه يعتقد ان الاعتراف نقيصة، وان الاعتذار ليس من مزايا الرجال. وبسبب ذلك، نمارس جميعا نقداً للآخرين، ونفترض ان غيرنا يخطئ ويقرر في غير مصلحة البلاد والعباد، لكننا نعطي لأنفسنا، في نفس الوقت، حصانة وقداسة! قد لا نقول هذا، لكننا نمارسه عملياً؛ فهل رأيتم مسؤولا يقضي سنوات في عمله ثم يقرر انه أخطأ ويعتذر للشعب الذي تضرر من قراراته؟ وهل سمعنا عن قيادي في حزب يقضي في موقعه سنوات، وربما عقود، ويتحدث عن امور قام بها وكان فيها مخطئا، او يعتذر للقواعد الحزبية وينسحب كثمن اولي او نهائي لما فعل؟

ونشاهد ونسمع احيانا مسؤولين كبارا جدا جدا يمارسون نقداً للواقع الاقتصادي او السياسي، مع انهم كانوا في مراحل هم اصحاب النهي والأمر، وهم من وضعوا الخطط والاستراتيجيات التي لم تنجز الكثير، لكنهم لا يكتفون بعدم الاعتراف بالخطأ او الاعتذار للناس، بل يمارسون استغفالاً للمواطن والسامع عندما ينتقدون ويمارسون البطولة، وكأنهم كانوا في تلك المراحل في السجون او المعتقلات، وليسوا اصحاب الصولجان!

ولعل الأسوأ تكرّس عرفِ أن من يخطئ وتجري مهاجمته على اخطائه تتم حمايته؛ وحتى لا يتم تأكيد التهمة عليه، يجري تكريمه وشد أزره وإبقائه في منصبه، وبعد حين قد يحظى بموقع اكثر قوة ونفوذا.

الاعتراف بالخطأ، والاعتذار، والاستعداد لدفع الثمن، خُلُق ديمقراطي نراه في الغرب، لأنهم هناك عرفوا الديمقراطية كحالة أخلاقية احيانا، وليست ضغطا سياسيا فقط، او احزابا وأوراق اقتراع.

[email protected]

التعليق