منطق عربي

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

اللغة السياسية العربية، بكل لهجاتها، تحمل منطقا غريبا. فنحن نستخدم مصطلحات كبيرة وضخمة، ونطلق اوصافا صعبة ووعرة بحق بعضنا بعضا؛ فاذا ما تم تجاوز الازمة كليا او جزئيا، اختلقنا اوصافا جديدة مناقضة لما قلناه سابقا!

في لبنان، مثلا، تصف القوى المعارضة للحكومة القوى السياسية المشاركة فيها بأنها تابعة للمشروع الاميركي، وانها حكومة بوش وكونداليزا رايس؛ اي ان الحكومة اللبنانية، وفق رأي معارضيها، عميلة لاميركا. لكن هذه المعارضة تطالب بحكومة وحدة وطنية بالشراكة مع قوى الحكومة الحالية؛ فكيف تدخل المعارضة في شراكة سياسية مع حكومة تعتقد انها عميلة لاميركا، وكيف ستكون هذه حكومة وحدة وطنية تنقذ لبنان اذا كان طرفها الاساس عميلا اميركيا!

وفي المقابل، تصف الحكومة معارضيها بأنهم اتباع لطهران، ينفذون اجندتها. لكن الجميع يجلسون إلى طاولة حوار (قبل ان يفشل)، ويتحدثون بلغة الاشادة ببعضهم بعضا وعن اخوّتهم، فكيف يكون الحال كذلك مع عملاء لدولة اجنبية؟!

في سورية أيضا كان عبدالحليم خدام شريكا استراتيجيا في كل سياسات النظام السوري، الصحيحة والخاطئة، وكان من أهم من توجه اليهم اصابع الاتهام في ملفات لبنان والعراق والفساد والعلاقات العربية المتردية، وكان عندما يتحدث يأخذ وقتا طويلا في شرح سياسات النظام، وتبريرها ومهاجمة الآخرين. وفجأة، تقرر مصالحه ان يهجر دمشق ومواقعه، فيصبح اللسان الأقوى في نقد النظام وتوجيه الاتهامات إليه، بما في ذلك الحديث عن دور سورية في قضية اغتيال الرئيس الحريري. ومن المؤكد ان احد الدورين كذب وتضليل.

وعندما خرج خدام من الحكم وهاجم النظام هاجمته الدولة هناك، ووصفته بالفاسد الكبير، وأمرت باعتقاله بتهم عديدة، منها الفساد اضافة الى اتهامه بالعمالة لاميركا، فهل كان عميلا وقت ان كان قائدا، ام فقط يوم خرج من دمشق؟ وحتى بعض رجالات الاحزاب العربية كانوا معجبين بـ"أبو جمال"، وكانوا يروون لانصارهم بعد عودتهم من دمشق تفاصيل الجلسات الطويلة مع القائد العربي المناضل!

وفي الساحة الفلسطينية، وعندما جاءت اوسلو، تحدث معارضوها عن مؤيديها بأنهم يحملون مشروعا مثل مشروع سعد حداد اللبناني في مواجهة المقاومة، وان الشرطة والأمن الفلسطينيين هما "جيش لحد"، وفق ادوار حددتها اتفاقية اوسلو. وتبادل الطرفان الاتهامات التي تقترب الى حد الخيانة. وبعد سنوات وسنوات، اصبح اوسلو مصدرا للشرعية عبر انتخابات او مواقع جاء بها، واصبح حديث المجاملات يطوي الاتهامات! بل حتى في مراحل التوتر الاخيرة بين الحكومة والسلطة، كنا نسمع احاديث واتهامات صعبة، لكن ما ان يجلس الجميع في غرف الحوار حتى نسمع اشادات ومديحا متبادلين.

هذه الامور ليست مقتصرة على دولة من دون اخرى، بل في كثير من ساحاتنا هنالك ذات اللغة. وما نتمناه هو ان نصل الى مرحلة لا نبالغ فيها بالاتهامات واطلاق الاحكام حين نختلف مع بعضنا، كما لا نبالغ في المدائح والتمجيد حين نتفق.

والامر ليس حكاية حكومات فقط، بل أيضا في القوى غير الرسمية. فالشخص قد يكون قائدا او رمزا لحزب او حركة ويقال بحقه الشعر والمديح، فاذا ما خرج بسبب خلاف لا تسمع بحقه كلمة خير، ويتسابق كثيرون إلى الحديث عن عيوبه وشكوكهم بعمالته وسوء خلقه، ولو لم يحدث الاختلاف لما كان هذا! فهل صمتُنا حين يكون منا صدقا او كذبا، ام أن اتهاماتنا له بالنقيض حين يخرج هو الصدق او الكذب؟!

[email protected]

التعليق