د.باسم الطويسي

جحيم السياسة في لبنان

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

كان الاعتقاد السائد حتى ظهر الثلاثاء الماضي ان التراشق السياسي اللبناني الداخلي لن ينجر نحو تكرار كوابيسه السابقة وسيلجأ بالضرورة إلى الاعتصام بالمساحات المتاحة من الديمقراطية، إلى حد قول البعض بان استمرار التراشق بالكلمات والاتهامات خير من التراشق بالطلقات والسيارات المفخخة، الا ان تكرار السيناريو اللبناني بحادثة اغتيال الوزير بيير الجميل أقفلت مرة واحدة أفق السياسة اللبنانية، وأعادتها إلى جحيم مفاجآت لا احد يدري أين سينتهي.

كنا نعتقد ان لبنان دخل مرحلة الاستشفاء من صداع السياسية والرصاص، ومن الصراعات القادمة عبر الحدود، لكن ما يجري اليوم يثبت ان المرايا اللبنانية مقعرة ولا تعكس الحقيقة، وكأن حُمّى الاتهامات والأزمات المتتابعة تعيد إنتاج مربعات الداخل، بأبعادها السياسية والأمنية، وحتى الثقافية، وما هي في حقيقة الأمر إلا مربعات للنفوذ الخارجي، تتزاحم من خلالها دول كبرى وإقليمية للفتك بجسد الدولة الغض.

في الماضي القريب كان المستطيل اللبناني يقبل القسمة على قانون الطائفة ومزاجها السياسي والثقافي، وبحدود امتدادها الخارجي، لكن التناحر والتجاذب الداخلي السائد اليوم تجاوز قانون الطائفة وخطاباتها، وأصبح يرتبط بشكل واضح بخطوط النفوذ الخارجي أكثر من أي وقت سابق؛ بحيث يبدو المشهد اللبناني أحيانا وكأنه يدخل مربعات "ما بعد الطائفية" المعروفة، وكأن قدر هذا البلد الصغير أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

جحيم السياسة في لبنان يكشف كيف يتحول الكيان السياسي الوظيفي إلى أزمة لا تنتهي يدفع ثمنها المجتمع في كل مرة، والحالة اللبنانية تدل على حجم تورط النخب السياسية في تحويل وطنهم إلى مجرد كيان وظيفي متنازع حوله بشراسة، وما مواقيت الأزمات ومواسم الاغتيالات والحروب الا بعض أشكال تفريغ الأزمات الإقليمية. فالأمر تجاوز مسار التنازع الطائفي واخذ شكل الإطار المصلحي الذي يبدو للوهلة الأولى تغيرا تاريخيا لكن الأحداث تثبت انه خادعا.

الأدوات الإقليمية والدولية لا تكفي وحدها لتفسير تحولات القوة الداخلية وتحالفاتها والكيفية التي تحدد الأدوار المطلوبة من كل طرف، فثمة عوامل وديناميات داخلية تلتقي باستمرار مع العوامل الإقليمية والدولية وتحافظ على هذا الشكل المأزوم للدولة؛ وهذا الالتقاء هو التحالف الوحيد الذي لم يتغير في كل المعادلات اللبنانية، بينما تتبادل الأطراف المتنازعة على السلطة الخطابات وأدوات الصراع، ويكفى لمتتبع تطور خطابات القوى اللبنانية المتنازعة ملاحظة الاستعارة بين هذه الخطابات. الم يتم المطالبة بعد التجديد للرئيس لحود باستخدام الجماهير والنزول إلى الشارع للإطاحة به؟ الأمر الذي دعا السيد حسن نصر الله إلى القول بان "البعض يريد جر لبنان إلى حرب أهلية"، وهي الاطروحة ذاتها التي تم إعادة إنتاجها مرة اخرى من قبل الغريم السياسي الذي كان بالأمس يحذر من الشارع، كذلك الأمر بالنسبة لتحالف السلطة في استعارات اخرى متبادلة.

السؤال الأكثر إلحاحا؛ ماذا بعد اغتيال الوزير الجميل، وما هي خيارات القوى اللبنانية التي وصلت إلى حافة الهاوية، معظم الآراء تتوقع ردود فعل هادئة من قبل قوى تحالف الأكثرية  14/ آذار على المستوى الداخلي، وتصعيد من نوع آخر في ملف المحكمة الدولية، مقابل سحب قوى المعارضة مؤقتا لتهديدها بالنزول إلى الشارع واستمرار قرار وزرائهم بالاستقالة، وإدارة الصراع من خلال امتصاص الاحتقان، وهذه احتمالات واردة على المدى القريب، لكن على المدى المتوسط فان اليوم اللبناني التالي لهذه الحادثة سترشح منه أفعال ارتدادية عدة، أهمها على صعيد بنية التحالفات القائمة، وتحديدا القوى السياسية المسيحية، ولا يعني ذلك انفراط حبل الود بين التيار الوطني الحر بقيادة ميشيل عون وبين حزب الله بشكل مباشر، وهو التحالف الذي عادة ما يوصف بالتماسك وزادته الحرب الإسرائيلية الأخيرة قوة، أكثر مما قد يصيب التحالف المسيحي نفسه ووقوعه في حلبة استقطاب مسيحي داخلي.

 

كما ان احتمال كسر الاستقطاب الثنائي وارد أيضا بظهور قوة ثالثة محورها التيار الوطني الحر. فالزعيم اللبناني ميشيل عون يملك سيرة سياسية وقتالية تدل على قدرة واضحة على بناء تحالفات لكل مرحلة؛ فقد برز كأحد أقطاب الحرب الأهلية، وفي عام 1984 أوكل له أمين الجميل ذاته مهمة قيادة الجيش اللبناني، وعاد وكلفه بتشكيل حكومة عسكرية عام 1988للسيطرة على الأوضاع المتدهورة في البلاد، ورفض اتفاق الطائف، كما هو معروف، وقاوم انتشار القوات السورية في لبنان، وأطيح به في عملية عسكرية لبنانية– سورية، والحليف السابق للنظام العراقي في سني الحرب الإيرانية العراقية عاد بعد 15 عاما من المنفى ليتحالف مع حزب الله في أول تحالف بوثيقة مكتوبة في تاريخ التحالفات اللبنانية.

 

رهان التحالفات القادمة في لبنان يشير في احد أقوى المشاهد المتوقعة الى تغير الأوضاع الراهنة للخارطة السياسية للمسيحيين، وهذا يرتبط بشكل أو بآخر بحاجة داخلية وبالأوضاع الدولية أيضا، فلقد أخلت سورية مربعها الذي كاد يبتلع كل المستطيل اللبناني على مدى ثلاثة عقود، ورُسم ما تبقى من الميراث السوري واشتباكه الإقليمي والدولي بالمسطرة مربعات عديدة؛ بعضها قديم أعيد توضيحه، وأخرى رسمت من جديد. فهناك مربع سوري باق، ومربع إيراني، ومربع أميركي، ومربع فرنسي، وآخر ما توصلت إليه هندسة التربيع ما تردد قبل شهور عن مربع للقاعدة وابن لادن! ومن الطريف انه حتى الأمم المتحدة تطالب هي الأخرى بمربع لها، من خلال المطالبة بتأهيل دورها ليشمل جوانب تتجاوز حفظ الأمن والسلام في مناطق نفوذها.

الحقيقة ان لبنان الصغير ينتظر أياما رمادية اخرى، وتحولات معقدة في معظمها؛ هي ثمن وقوف النخبة فوق الدولة وهي مشكلة أضيفت إلى مشكلته التقليدية لعقود خلت في صعود الطائفة فوق الدولة، وهي أزمة ستستمر ما لم تصبح الدولة فوق الجميع.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق