محمد أبو رمان

الطريق الديمقراطي العربي: هل ثمة نهج ثالث؟

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

تحتفي أوساط ثقافية وسياسية عربية متعددة وعريضة بهزيمة المشروع الأميركي في العراق وعجزه الحالي أمام إيران، كما يعتبر مثقفون وكتّاب عرب أنّ مقالة ريتشارد هاس - بعنوان "الشرق الأوسط الجديد" (مجلة الشؤون الخارجية)، التي يرى فيها أن الحالة العراقية مؤذنة بنهاية التفرد الأميركي في الشرق الأوسط- هي بمثابة إعلان رسمي عن هزيمة أميركا في المنطقة.

قد نتفق أو نختلف على أبعاد الهزيمة الأميركية في العراق وتداعياتها؛ بخاصة بعد هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية، لكن السؤال الذي يجب أن نفكر فيه بتمعن شديد ووقفة صادقة مع النفس: هل هزيمة أميركا تعني انتصارنا؟ وإذا كان البعض يرون ذلك؛ فما هي مؤشرات وعلامات هذا الانتصار في الواقع العربي ذاته؟ هل الوضع العراقي سيكون أفضل حالاً في حال الخروج الأميركي؟ كل المعطيات بخلاف ذلك، والحال نفسه في لبنان وفلسطين، ما يفرض سؤالاً جوهرياً قديماً- جديداً: أين الخلل؟ هل يكمن في السلطة العربية المستبدة أم في الواقع الاجتماعي- الثقافي أم الواقع الاقتصادي؟ هل هو في الداخل الوطني أم الخارج؟

الإجابة على الأسئلة السابقة كانت هاجس مؤتمر إقليمي، عقد في بيروت 16-17 تشرين الثاني الحالي، بعنوان "الديمقراطية والإصلاح: النهج الثالث"، قام بتنظيمه كل من مؤسسة فريدريش ناومان والمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة. شارك في المؤتمر مثقفون وسياسيون عرب من عدة دول، وقُدِّمت أوراق عمل تناقش الأوضاع السياسية في المنطقة، وبخاصة في كل من العراق وفلسطين ولبنان والأردن ومصر وسورية. النتيجة الرئيسة التي يمكن الخروج بها من أوراق المؤتمر ومناقشاته أنّ هنالك حالة مرعبة من الانقسام السياسي الداخلي في العديد من الدول العربية، إذ تتجلى نزعات الصراع الداخلي اليوم في العراق ولبنان وفلسطين، بينما هي مكبوتة وكامنة في الأردن ومصر ودول أخرى.

يمكن القول، على الرغم من الاختلاف بين حالات فلسطين ولبنان والعراق، أنها تتشابه في سمات معينة، تقدم مؤشرات على حالة السياسة والمجتمع في العالم العربي اليوم. ففي هذه الدول الثلاث عاد الناس إلى مرحلة ما "قبل الدولانية"، إذ تسيطر الانتماءات القبلية والعشائرية والطائفية وتغيب الاعتبارات المدنية والوطنية، بينما أصبح هاجسا الأمن والوحدة يمثلان الاعتبار الأول لهذه المجتمعات، بعد أن كان الإعلام الغربي يبشر بالربيع الديمقراطي والإصلاح السياسي قبل شهور.

في هذا السياق يستعمل المفكر العراقي عبدالحسين شعبان مصطلح " حرب الكل ضد الكل"، في وصفه للحرب الأهلية العراقية، إذا ما تدهورت الأمور أكثر، وهو مصطلح دقيق، مستوحى من توماس هوبز، في وصفه لحالة المجتمعات قبل "العقد الاجتماعي" المؤسس لعملية بناء الدولة.

الملفت للتفكير، بحق، أنّ الدول الثلاث عندما كانت تعاني من الدكتاتورية أو النفوذ الخارجي المهيمن (في العراق: حقبة صدام، لبنان: النفوذ السوري، فلسطين: الاحتلال الإسرائيلي) كانت المجتمعات تنعم بحالة من الاستقلال والسلم الاجتماعي- الأهلي، وبمجرد ما انتهت حالة القهر انزلقت هذه المجتمعات إلى حالة من الفوضى والانقسام والاستقطاب والصراع وأصبح الحديث عن حوارات وطنية بلا أي مضامين حقيقية، بل تأكيدٌ على غياب المؤسسات السياسية والدستورية. هذه الملاحظة يسجلها بذكاء شديد السياسي اللبناني العريق سليم الحص، إذ يقول: "يوجد في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية!"؛ فلا يوجد في دولة ديمقراطية "أزمات وطنية" ولا "جولات حوار وطني"، فحل هذه الأزمات ومكان الحوارات في المؤسسات السياسية والدستورية، وليس الجماعات والطوائف والأفراد، وهي الملاحظة التي تنطبق على الراهن السياسي العربي.

إذن، نحن أمام ثلاث تجارب جديرة بالدراسة والتفكيك والتحليل. والمفارقة الشديدة أن جميع الأوراق التي قدمت لم تتجاوز قراءة سطح الظواهر السياسية القائمة دون الولوج إلى تحليلها واستنطاق العوامل الفاعلة المؤثرة، ولم تقدم لنا أية ورقة، على الإطلاق، جواباً مقنعاً على المعضلات القائمة، باستثناء عبارات ممجوجة، بلا أي معانٍ واقعية، كحديث الفلسطينيين عن حكومة وحدة وطنية "تتوافق على الحد الأدنى"، فيما يختلف الفرقاء في تعريف الحد الأدنى، وفي حديث اللبنانيين عن "الحوار الوطني" وتجاوز "الطائفية السياسية"، في حين يتحدث الجميع بلسان طائفي، وكدعوى العراقيين لعدم استباحة الدماء، وبغداد تغرق في جثث

"القتل على الهوية".

فلا أحد يقدم اليوم حلاًّ عملياً وأفقاً للخروج من هذا المستنقع المرعب. في المقابل فإنّ الشعوب العربية الأخرى، المقموعة، أصبحت تنظر بعين الخوف من التجارب الثلاث وتفضل الحاكم الفاسد والظالم والطاغي، مع اختلاف الأحوال نسبياً، على "التحرر" الذي يؤدي إلى التقتيل والخطف وغياب الأمن والأمان! فهل هي عودة إلى "تراث الفتنة" وتأكيدا لمقولاته التي هيمنت على الثقافة السياسية العربية قروناً طويلة، كـ: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم" و"من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، أم نحن بحاجة إلى "مستبد عادل" يسوقنا إلى النهضة سوقاً، كما خلص إلى ذلك الإمام محمد عبده قبل قرن من الزمن.

التجربة العربية منذ احتلال العراق، وما تلاها من تداعيات تستأهل دراسة معمقة؛ فعلى الرغم من قصر هذه الفترة الزمنية إلا أنّها ذات دلالات كبيرة، فإذا كان سقوط الاستبداد أو الهيمنة مكلف كثيراً؛ هل يمكن أن تفكر المعارضات العربية الأخرى بمشروع "الصفقة التاريخية" مع النظم الحالية، على غرار "الماغناكارتا"، الالتقاء بمنتصف الطريق، والوصول من خلال عملية متدرجة ومتطورة إلى القيم المدنية الديمقراطية الجديدة؟ وهل النظم العربية تقبل بهذه الصفقة؟ سؤال لا أعتقد أن هنالك محاولات جادة للإجابة عليه، إلى الآن، نظرياً وعملياً.

على العموم؛ النتيجة الحقيقية التي يمكن الخلوص إليها من الأوضاع الراهنة ومن مؤتمر بيروت أن هنالك مأزقاً متجذراً حقيقياً في العالم العربي اليوم يتجاوز سؤال السلطة إلى أزمة المعارضة وغياب القوة الاجتماعية- الديمقراطية، التي تشكل بديلا أو "جماعة وطنية" يمكن أن تملأ لفراغ السلطة، بل يمتد المأزق إلى أصول الاجتماع السياسي العربي الراهن، وفي مركز ذلك "المسألة الثقافية".

نعم، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي عربي جديد، كما يرى برهان غليون، وإلى بناء ديمقراطية وحكم جيد..الخ، وبالتأكيد الديمقراطية هي عملية تاريخية متواصلة، وليست انتخابات ومظاهر جوفاء، لكن أين الطريق إلى الديمقراطية أو الحكم الجيد، في ضوء الانتكاسات المشهودة؟ كيف نغير الواقع ونخرج من المأزق المتجذر؟ متى ينتقل المثقفون من وصف الواقع إلى استنطاق مكامن الخلل والعلل وبناء آليات النهوض والتغيير السليمة؟

ذلكم هو السؤال المطروح، فهل يسعفنا أهل الفكر والخبرة!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فشل مدروس (مهند)

    الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    من المضحك ان فشل المشروع الأمريكي سببه أمريكا. ففي فلسطين قامت امريكا برعاية العملية الديمقراطية لتقوم بإفشالها بالحصار واالتدمير. وفي العراق قامت بفرض الديمقراطية بيد واشعال الطائفية بيد اخرى لتخلق لنفسها دور يشابه الحامي والراعي كما كان البريطانيون يفعلون . ولكن انفجر الوضع الطائفي ومازالت العراق في سقوط حر.