منار الرشواني

العراق ومخرج السلام الشامل

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

في الثالث عشر من تشرين الثاني الحالي، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، انقلابه المفاجئ على سنوات من التبعية لتعامي الإدارة الأميركية عن الصراع العربي-الإسرائيلي، وذلك بدعوته إلى حل هذا الصراع كجزء لا يتجزأ من استراتيجية النصر في الحرب على الإرهاب بشكل عام، وتحقيق الاستقرار في العراق بشكل خاص.

لكن أي أهمية لتصريحات سياسي منتهية صلاحيته، يبدو في موقفه الجديد أقرب إلى فرعون مصر يصرخ وقد تيقن من الهلاك غرقا: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين"؟! كما أن بلير في ذروة تحالفه الوثيق مع إدارة بوش بقي تابعا لا صانع سياسة، ما أفقده بالنتيجة تأثيره الأوروبي أيضا؟!

في حديث له أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى -الوثيق الصلة، أو التابع في الواقع للجنة العلاقات العامة الأميركية-الإسرائيلية "ايباك" (AIPAC)- في أيلول ماضي، أي قبل ما يقترب من شهرين على بدء تصريحات بلير، اعتبر فيليب زيليكو (Philip D. Zelikow)، المستشار المقرب لوزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، أن "شعور المعتدلين العرب، كما الأوروبيين، ببعض التقدم على صعيد "حل" الصراع العربي-الإسرائيلي هو أمر لا مفر منه ليكون بمقدور هؤلاء التعاون بشكل فاعل مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بكثير من المسائل التي تثير القلق الأميركي، ولا سيما بناء تحالف في مواجهة إيران.

وهكذا، وبعد تأكيد مسؤولين أميركيين لنظرائهم الإسرائيليين أن زيليكو لا يعبر إلا عن وجهة نظره الخاصة، وأن ليس هناك أي تغير في السياسة الأميركية لإجبار إسرائيل على تقديم "تنازلات!" للفلسطينيين! جاءت تصريحات بلير، ليتبعها كشف صحيفة نيويورك تايمز، يوم الجمعة الماضي، عن عدد من الاجتماعات بين مسؤولين سوريين وعدد من أعضاء لجنة بيكر-هاملتون على رأسهم جيمس بيكر، بعد أن بات في شبه المؤكد أن يتضمن التقرير النهائي للجنة، التي تبحث في سبل معالجة المأزق العراقي، توصية بفتح باب الحوار مع سورية (وإيران).

وبالاستناد إلى كل المؤشرات السابقة على الأقل، هل يمكن القول أو التفاؤل بإمكانية بعث الحياة مجددا بمسيرة التسوية السلمية للوصول إلى حل نهائي وشامل للصراع العربي-الإسرائيلي؟ للأسف، لا! والسبب ببساطة هو أن العرب لا يملكون أي شيء يقدمونه للولايات المتحدة في المقابل؛ فقد باتت كل الأوراق بيد إيران، القادرة فعلا على تقديم المطلوب أميركيا!

فسورية المعزولة عربيا وعالميا، والمتهمة أميركيا بدور سلبي على صعيد استقرار العراق، لم يبق لها من رئة تتنفس بها إلا إيران. وذات الحقيقة تنطبق على حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. أما حزب الله، فيصرح مسؤولوه متباهين بارتباط الحزب بإيران، بدل التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية! ومن ثم، وإذا كانت مفاتيح كل الخارجين على الرغبة الأميركية بيد إيران، أفليس من المنطقي أن تكون الطرف الذي تجب مخاطبته وليس سواه؟! فكيف إذا كان الثمن المدفوع أميركيا، على صعيد البرنامج النووي الإيراني خصوصا، لا يكاد يعدل شيئا مقارنة بالثمن الباهظ للسلام الشامل الذي يتوجب على أي إدارة أميركية دفعه، لا سيما داخليا معبرا عنه بأصوات الناخبين المتعاطفين مع إسرائيل، يهودا كانوا أم مسيحيين صهاينة، في ظل الرفض الإسرائيلي القاطع لاستحقاقات التسوية السلمية الحقيقية؟

في هذا الإطار يمكن فهم التحول، غير الملحوظ ربما، في موقف الإدارة الأميركية في هذا الصدد.

فبعد أن كان جوشوا بولتين، كبير موظفي البيت الأبيض، قد أكد في 13 تشرين الثاني الحالي أن الرئيس بوش لن يستبعد أيا من المقترحات التي ستقدمها لجنة بيكر-هاميلتون، بما في ذلك إمكانية إقامة حوار مع إيران وسورية، عادت كونداليزا رايس في اليوم التالي لترفض الربط بين الصراع العربي-الإسرائيلي وبين تحقيق الاستقرار في العراق. ورغم رفض رايس "فتح حوار مع سورية وإيران من اجل الحصول على مساعدتهما في العراق"، فقد عاد ديفيد ساترفيلد، المستشار في وزارة الخارجية، ليؤكد في شهادة له أمام إحدى لجان مجلس الشيوخ الأميركي، في 16 تشرين الثاني الحالي، أن "الولايات المتحدة مستعدة مبدئيا لإجراء حوار مباشر مع ايران"، و"ان توقيت بدء الحوار هو ما تجري دراسته"؛ مستبعدا في ذات الوقت أي حوار مع  سورية "قبل أن تغير سياستها"، فهي من وجهة نظره متهمة "بالضلوع بالإرهاب والتطرف"!

إذن الطرف المقبول هو إيران فقط! وهذه برغم أوهام بعض الإسلاميين أو المؤمنين بالتحالف مع كل من يعادي أميركا وإسرائيل حتى ولو لفظيا، لن تفاوض على سلام شامل، ليس لأنها تقول إنها لا تعترف به، بل لأنها ستفاوض على مصالحها القومية، لا الإسلامية ولا العربية، والتي تمتد من البرنامج النووي إلى الطموحات الإقليمية التي تمس العرب. وليكون حتميا القول بالتالي إن جعل السلام الشامل في المنطقة خيارا أميركيا لا غنى عنه يبدأ بفك الارتباط مع إيران، واستعادة الأوراق العربية التي تستخدمها لتحقيق مصالحها القومية. وهذه مسؤولية الجميع بلا استثناء، طالما أن الجميع خاسر بلا استثناء في ظل السيادة الإيرانية في المنطقة.

[email protected]

التعليق