كتاب جديد ومهم

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

لعله لم يدخل الاردن بعد، ومن المؤكد ان جدلا سيثيره هذا الكتاب، وسيرفض بعض القراء جزءا مما فيه، لكن هذا لن يسلبه الوصف الذي منحه اياه د. خالد الكركي في التقديم بقوله "كتاب جديد ومهم".

"حساب السرايا وحساب القرايا" مذكرات نذير رشيد، رجل العمل العام والمحطات التاريخية الصعبة منذ احداث العام 1957 واللجوء السياسي، مرورا باحداث ايلول، إلى الانتخابات...

وربما لا يعرف بعض الناس عن الرجل سوى صورة مرتبطة بمرحلة او حدث، لكن المؤكد ان المذكرات نوع من التلخيص لمراحل تاريخية من قبل رجل مايزال حاضرا، بصحة جيدة وذاكرة قوية، ما يسمح بالنقاش والحوار والجدل حول ما كتب.

هذه ليست دعاية للكتاب، لكن الإقدام على كتابة المذكرات امر يحتاج الى جرأة، وبعض السياسيين لا يجرؤ حتى على إجراء حديث اعلامي او مناقشة حديث، فكيف بتقديم تقويم لمراحل وهو حي يرزق؟!

وحديث اليوم ليس نقاشا للمضمون، او ابداء لملاحظات، إنما سأعرض بعض الامور التي يمكن ان تلفت الانتباه. ولعلي ابدأ بشخص غير اردني تحدث عنه الكتاب، قدم الى الاردن باعتباره لاجئا سياسيا. هو احد قيادات الاخوان المسلمين الهاربين من نظام جمال عبدالناصر، نجيب جويفل. لكن هذا النجيب لم يكن الا ضابطا كبيرا في المخابرات المصرية. وجاء بعد ذلك الى الاردن بصفته الوظيفية، برتبة لواء في المخابرات المصرية!

أما في حديث نذير رشيد عن وصفي التل، فيشير الى مواصفات تتمنى ان تكون في قيادات الدولة اليوم. فوصفي، كما يقول الكتاب، أتى بعمل يصنّف ديمقراطيا اليوم، إذ قام في حكومته الاولى بحرق كل الملفات الامنية لعشرات الالاف من الناس، كانت تعتمد على تقارير امنية "تقدم كذبا وزورا تحت توقيع مخبر صادق". وفي وزارته الثانية، صدر العفو الملكي عن جميع اللاجئين السياسيين، وعن جميع المعتقلين لاسباب امنية. والقائمة التي يذكرها الكتاب لأهم من شملهم العفو تشمل من عادوا إلى أو تقلدوا مواقع المسؤولية الاولى، سواء في اجهزة الدولة العسكرية او المدنية!

وما يذكره الكتاب عن وصفي التل انه كان يعتبر جهاز الامن العام جهاز خدمة مدنيا، ويتمنى ان يتعامل مع المواطنين كافة بهذه الروح؛ ولهذا عين للمرة الاولى مدنيا مديرا للامن العام، هو عبدالمجيد الشريدة. واليوم، وبعد 40 عاما على ذلك التاريخ، نسمع احاديث عن الشرطة المجتمعية، التي هي جزء من فكرة الدور المدني لجهاز الامن العام.

وعندما يتطرق رشيد الى احداث ايلول يذكر موقف الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتنن تعدان من اصدقاء الاردن، إلا أنهما -كما يقول- كان لهما موقف متشابه، وكانت إذاعاتهما تبثان كل ما يسيء الى الاردن ويضعف موقفه، استنادا إلى قاعدة "اياك ان تدعم طرفا خاسرا"! ولهذا، كانتا تنتظران المواجهة، فهذه الدول تذهب الى حيث مصالحها. ولهذا، يعود الكتاب الى القول ان "موقف الدول الغربية جميعها، وعلى رأسها اميركا، قد اختلف بعد ان اثبت النظام الاردني قدرته على المواجهة وحسم الامور لصالحه".

وحول تلك المرحلة يقول: "وفي العاصمة عمان، انهار عدد من الوزراء من الخوف، وبدأوا يتلمسون الاعذار سلفا لحماية انفسهم في ذلك الوضع الخطير"! ويقول ايضا عن هروب من استطاع: "وقبلها كان بعض السادة قد تخلوا عن لقبهم وتركوا الاردن، وبقي من كان منهم خارج الاردن في الخارج. كما ان معظم القادرين على مغادرة الاردن قد غادروا الى لبنان او الى اوروبا"! ودائما هي القاعدة ان فئات لا تصمد او تحاول الحفاظ على اوطانها، والحديث هنا عن بعض اصحاب المال والسلطة؛ فما بين الهروب والانهيار تتراوح الخيارات. وحتى رئيس الحكومة العسكرية انذاك، العميد محمد داود، المكلف باعادة الهدوء والنظام، استغل سفره الى القاهرة ليطلب اللجوء السياسي! وهنا لا اتحدث عن مرحلة بعينها، إذ هي عقلية وبنية ترافق اي ازمة.

واشير هنا الى ما ذكره الكتاب عن ان عددا من كبار الاردنيين اعتذر عن تولي الحكومة انذاك. ومن المؤكد ان بعضهم فعل ذلك خوفا، او لقناعته ان الامور ستتغير، وعليه مجاملة النظام القادم. ومرة أخرى، فإنني لا اتحدث عن تلك الفترة تحديدا، بل عن بنية العلاقة مع الدولة.

يحمل الكتاب العديد من الاحكام على اشخاص مهمين، ومن ذلك اتهام حركة فتح في نهاية الستينات بشراء الذمم، ودفع 150 الف دينار لشخصية تحتل موقعا متقدما في المسؤولية. كما اتُّهم العمل الفدائي انذاك، بانه كان يعتمد الاعلام الكاذب للاعلان عن عمليات فدائية وهمية، وافتقاره الى الكفاءات الادارية؛ وان هذه التنظيمات كانت مخترقة من اجهزة المخابرات الصديقة والعدوة، كما ان المظاهر العسكرية والقتالية الفارغة من المحتوى كانت هي المسيطرة على تنظيمات العمل الفدائي.

قضايا عديدة جدلية، ستفتح ابوابا للحوار وتبادل الآراء والمعلومات، ونتمنى ان لا تتطور الى تبادل الاتهامات. لكنه كما اشرت كتاب جديد ومهم. واذا كانت المذكرات تحمل عادة عرضا للسيرة الشخصية، ومراحل الحياة الخاصة، فان هذا الكتاب سيحظى باهتمام فيما يتعلق بالقضايا السياسية، لا سيما وانه يتحدث عن مراحل صعبة وحرجة، هرب خلالها بعض الأشخاص من تولي المسؤوليات، فكيف بتقديم نوع من التوثيق، حتى وان كان على شكل مذكرات؟!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أين الحيادية؟ (محمد)

    الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    عزيزي الكاتب،
    لدي تساؤل عن الحيادية في طرح المواقف من خلال المقارنة بين هذا التقديم للكتاب الجديد والمهم من ناحية و الانتقادات التي تعرض لها عدنان أبو عودة.