إبراهيم غرايبة

التعليم والنخب

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

يمضى التعليم في وجهة ستجعله يتيح الخدمات الأفضل للأغنياء فقط، وسيؤدي ذلك (وأرجو أن أكون مخطئا) إلى خلل اجتماعي وتداعيات مضرة تقسم المجتمع وتهدده، وكأننا نقول ببساطة ووضوح إننا نريد أن نقدم الفرص الأفضل والتعليم الممتاز والمتقدم لأبناء الأغنياء فقط، ونقطع الطريق على التنافس بين الطلاب والتلاميذ للحصول على فرص تعليمية أفضل، أو كأننا لا نعترف بوجود طلاب أذكياء ومتفوقين في المجتمعات والفئات الأقل حظا، وكأن نتائج مدرسة فقوعة في الكرك وغيرها من مدارس البلدات والتي كانت الأفضل على مدارس المملكة في نتائج الثانوية العامة لا تعني شيئا ولا تستحق أن يتاح للمتفوقين فيها المنافسة والمشاركة في فرص التقدم والحصول على مكافأة لتفوقهم.

إننا بذلك نقرر سلفا مجموعة من النتائج المستقبلية الكارثية على المجتمع والمواطنين، فلا معنى لأن تكون متفوقا ومجتهدا في التعليم، ولن يضيف ذلك شيئا إليك في الفرص المستقبلية وسيظل محكوما عليك بعدم المشاركة في قيادة المجتمع والتقدم المهني والتعليمي، ولا تحتاج إذا كنت تملك المال الوفير لمنافسة الآخرين لتحصل على فرص وموارد تمول بالضريبة والمال العام.

لقد كانت السياسات العامة على مدى العقود الماضية في الابتعاث والتدريب والتوظيف مدخلا لتطوير المجتمع ودمج الطبقات الوسطى ومختلف أبناء المناطق في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بفضل معايير معقولة في التنافس، وعندما بدأت هذه السياسات بالانهيار لصالح المحسوبيات والأغنياء فسنجد أنفسنا أمام ثلاثة مجتمعات، الأردن الأول (نخب أول) يحظى بالموارد والتعليم الممتاز والفرص والوظائف القيادية والتسهيلات، ويحتل مساحات الإعلام والاهتمام والإغداق، والأردن الثاني من الفقراء والمهمشين(لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا)، والأردن الثالث التائه من الطبقة الوسطى والتي كانت على الدوام مفتاح التوازن والاعتدال، ومدخل التنمية والإصلاح والضبط والانضباط، ومصدر القادة والنخب السياسية والتعليمية والإدارية، ولكنها اليوم تتعرض لضغط شديد مخيف، وتآكل سيجعل الوصول إلى القيادات المستقبلية في المهن والأعمال والإدارة متاحا لفئة هي أقل كفاءة في ميادين تحتاج إلى كفاءات متقدمة.

كيف يستطيع الموظف العام أو المهني من المؤهلين تأهيلا عاليا ومتقدما، وحصل بجده وفرص الترقي والمكافأة التي أتيحت له في الجامعات والمؤسسات على تعليم أبنائه ومنحهم الفرصة التي حصل هو عليها؟

نتحدث هنا عن عشرات الآلاف من الأساتذة الجامعيين والأطباء والمهندسين والمحامين والقضاة والمحاسبين والصحافيين والصيادلة وأصحاب الأعمال المتوسطة والمدراء والقادة الذين أمضوا على الأقل عشرين سنة وأكثر بعد تخرجهم من الجامعات، وبذلوا الكثير في تعليم أنفسهم، أو قدمت لهم فرص التأهيل والابتعاث والتطور المهني، وتتراوح دخولهم على الأغلب بين 500 – 1500 دينار شهريا، هل سيكون الجيل التالي من أبناء هؤلاء في حالة أحسن من آبائهم؟ هل أخطأت الدولة ( الدولة بالمعنى الذي يشمل الحكومة والمجتمعات والقطاع الخاص) عندما شاركت هؤلاء المواطنين في التعليم والتأهيل، وتريد اليوم أن تتراجع عن خطئها؟

ليست هذه المقالة دعوة إلى الاشتراكية ولا منع الخصخصة، ولكنها ببساطة ووضوح أن يعاد توزيع موارد الدولة والضرائب والإنفاق العام لتعود بالفائدة على المواطنين بعدالة، والتفكير في حال البلد بعد سنوات عندما يكون الأذكياء والمتفوقون من المواطنين في مواقع مهمشة لأنه لم يتح لهم التعليم والفرص الكافية وعندما تكون قيادة المؤسسات العامة والخاصة والأعمال بيد آخرين لم يصلوا إلى مواقعهم بجدارة ومنافسة عادلة، نتحدث عن مؤسسات وأعمال تحتاج إلى خبرات عالية ومتقدمة وتقنيات معقدة، وكيف سيشارك البلد بهؤلاء في المنافسة في اقتصاد معولم ومتداخل، إننا بهذه السياسات لا نهدر المال العام فقط ولكننا نهدر الإنسان والمستقبل أيضا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لايوجد حلول (محمد)

    الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    يااخي المشكلة لم تعد الفساد لوحده. المشكلة هي وقاحة مرضية مزمنة ابتلى بها اصحاب القرار بعد ان اكتشفوا , والشكر للجزيرة, ان النقد اللاذع والفضائح لا يشكلان اي خطر على مراكزهم.