حتى تصبح هزائم بوش انتصارات لغيره

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

توالت، في غضون أسبوع واحد، الهزائم النازلة بإدارة الرئيس الأميركيّ جورج دبليو بوش. فما أن أُعلن عن فوز الزعيم الساندينيّ دانيال أورتيغا برئاسة نيكاراغوا حتى شرعت تتكشّف نتائج انتخابات منتصف الولاية واضعةً، للمرّة الأولى منذ 1994، أكثريّة مجلسي الكونغرس في عهدة المعارضة الديمقراطيّة. وما لبث وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، صقر صقور الإدارة، أن أعلن استقالته التي هي، في واقع الأمر، إقالة، على ما بيّنت التسريبات اللاحقة في واشنطن.

هل ثمّة قاسم مشترك بين التطوّرات الثلاثة هذه عدا كونها صفعات على الخدّ الأحمر لوجه الرئيس الصبوح؟

الجواب نعم. أمّا القاسم المشترك فهو ان التطورات المشار إليها تستهدف عدوّاً واحداً هو التبسيط الذي يتجلّى في طغيان موضوع بعينه على سائر المواضيع، وبالتالي النظرة الى سائر المواضيع من ثقب ذاك الموضوع الواحد. وهذا، كما نعرف، من ميزات الوعي الايديولوجيّ المستبدّ الذي لا يطيق وجود حقائق نسبيّة أخرى تجاور حقيقته النسبيّة بدورها.

فالتحوّل في نيكاراغوا، وفي بلدان أخرى من أميركا الوسطى واللاتينيّة، بمثابة ردّ على موضوعة الديمقراطيّة والأسواق الحرّة كما طرحتها واشنطن الجمهوريّة، أي بوصفها البديل عن مشاريع للتنمية تستحقّها القارّة، وعن صمّامات أمان لحماية الفئات الاجتماعيّة الأشدّ بؤساً في مواجهة العولمة. صحيح أن أورتيغا حكم بلده بطرق ديكتاتوريّة وعنفيّة، ولا يزال يحكم حزبه الساندينيّ بالطرق نفسها. بيد أنه، مع ذلك، أحدث تعديلات في خطّه السياسيّ، المعلن منه على الأقلّ، مبدياً الاحترام للعمليّة الديمقراطيّة والملكيّة الخاصّة، رافضاً العنف كمبدأ ووسيلة في السياسة وفضّ نزاعاتها. بهذا أهّل أورتيغا نفسه وحزبه بما لم يؤهّل بوش وحزبه نفسيهما له.

والأمر نفسه نمّت عنه الهزيمة الأكبر التي حصدها الأخير في داخل بلده. فلأوّل مرّة في التاريخ الحديث تخاض حربان متتاليتان، في أفغانستان والعراق، يقع عبؤها على الفقراء وحدهم، فيما تترافقان مع إعفاء الأغنياء من الضرائب. وفي اندفاعة "الحرب على الارهاب" و"نشر الديمقراطيّة" بوصفهما قضيّتين متلازمتين بل متماثلتين في عرف الإدارة البوشيّة، تعاظم عدد القتلى الأميركيّين في العراق ليلامس عدد ضحايا جريمة 11 أيلول (سبتمبر) فيما تعاظمت الكراهيّة للولايات المتحدة في مشارق الأرض ومغاربها.

وجاء التخلّص من رامسفيلد يعلن النهاية الكئيبة لنهج التبسيط الأحاديّ هذا، حيث تحلّ ثنائيّة الارهاب - الديمقراطيّة محلّ معالجة معضلة الشرق الأوسط والتعامل مع قضايا التنمية والفقر والبيئة وغير ذلك.

بلغة أخرى، فهمت إدارة جورج بوش عالم ما بعد الحرب الباردة، مستفيدةً من ضربة 11/9، بوصفه عالم الانتصار الأقصى والمطلق. فبما أن واشنطن تخلّصت من الخصم السوفياتيّ، غدا في وسعها أن تفرض على العالم كلّه الأجندة التي ترتئيها وبالطريقة التي ترتئيها فيها. فهي لا تكترث، بالتالي، لأجندة الذين يريدون تسوية معقولة للصراع الفلسطيني- الاسرائيليّ، ولا لأجندة الساعين الى شروط اقتصاديّة واجتماعيّة أقلّ إجحافاً وأكثر إنسانيّة.

وفي المعنى هذا، حوّلت سياسات جورج بوش العالم، بمساعدة قوى التخلّف والاستبداد فيه، الى مكان مقلق حقّاً: فالمناطق التي "اهتمّت" بها، اي العراق وأفغانستان، آلت الى ما نعرفه حاليّاً من حمّامات دم في البلد الأوّل ومن تجدّد الانبعاث الطالبانيّ في البلد الثاني. والمناطق التي لم تهتمّ بها تشهد، كما حال أميركا الوسطى واللاتينيّة، تراجعاً مريعاً في قوّة "أصدقاء واشنطن" لمصلحة قوى راديكاليّة على اختلافها. أما أفريقيا، فيكفي التذكير بما يجري حاليّاً بين الصومال واثيوبيا، وداخل الصومال نفسه، وبين تشاد والسودان، وداخل كلّ منهما.

حتى أوروبا الغربيّة غدت أشدّ تعرّضاً للعمليّات الارهابيّة بينما تساقط حلفاء واشنطن الأوروبيّون كأثنار الاسباني وبيرلوسكوني الايطالي وتُرك توني بلير، الذي سيغادر الساحة الصيف المقبل، يترنّح. ولا تزال لوحة العلاقات الاسرائيليّة- الفلسطينيّة مصدراً للعنف المتعاظم، على ما رأينا في بيت حانون، ولتغذية أسباب التوتّر في المنطقة كلّها وفي بعض أجزاء أوروبا. وغنيّ عن القول ان بوش يبقى صاحب الخطاب الأكثر كارثيّة في تاريخ الخطابة، حيث تأدّى عن نظريّته في "محور الشرّ" التسلّح النوويّ لكوريا الشماليّة وانهيار التفاهم مع طهران بعد التعاون في حرب أفغانستان. فإذا تذكّرنا أن آيات الله كان أكبر المستفيدين من حربي الادارة البوشيّة، اللتين خلّصتهم من طالبان وصدّام، فهمنا كيف توافر لتلك الادارة قدر غير مسبوق من الغباء في تاريخ السياسة.

 

وفي معزل عن الأشكال المؤسسيّة والدستوريّة التي سترسو عليها أوضاع ما بعد انتخابات منتصف الولاية، يمكن القول إن العالم برهن كم انه أكثر تعقيداً مما تصوّرته الادارة الأميركيّة، وكم أنه أشدّ استعصاء على أن يوضع في جيب أحد، كائناً من كان هذا الأحد.

أما خصوم بوش وكارهوه، فحريّ بهم الانتباه الى قدرات النظام الديمقراطيّ الأميركيّ على التصحيح. فقد انهزم الرئيس الأميركيّ لمصلحة حالة متقدّمة عليه، وعبر أدوات في العمل السياسيّ عصريّة وحديثة. فإن لم يستوعبوا ذلك، ظانّين أن هزائم بوش انتصارات لوعي وسلوك متخلّفين نشهد عيّناتهما في فكر "الممانعة" وعمليّاتها الانتحاريّة، أمكن القول إن البؤس الذي ينتظرنا أمرّ وأدهى من البؤس الذي عرفناه حتى الآن.     

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق