إبراهيم غرايبة

أميركا اللاتينية والدرس الأول

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

تأخذ القارة الأميركية وجهة سياسية واجتماعية جديدة، وتغير من كونها حديقة خلفية للولايات المتحدة الأميركية إلى دول مواجهة تسعى للعمل على أساس إقليمي جديد ومصالح سياسية مستقلة عن الجارة العظمى، وسياسات اقتصادية واجتماعية مناهضة للعولمة الليبرالية، وهي في ذلك تقدم دروسا مستقبلية مهمة لدول الجنوب، فبعد أن مضت كل من الصين والهند وشرق آسيا في برامج للتقدم الاقتصادي والتنموي مستفيدة من فرص وآفاق العولمة الممكنة بدأت دول أميركا اللاتينية تنهج نهجا يساريا اجتماعيا.

صحيح أن فنزويلا والبرازيل والدول اليسارية الجديدة ليست مثل كوبا ولا الدول الشيوعية في منظومة الاتحاد السوفيتي، فهي أقرب إلى الاشتراكية الأوروبية، وتسعى إلى العدالة الاجتماعية في ظل أنظمة سياسية واقتصادية ديمقراطية وحرة، لا تنتمي إلى اقتصاد الدولة وهيمنتها على المورد والخدمات، لكنها أيضا ترفض الليبرالية الاقتصادية على النحو الذي كان مطبقا من قبل والذي أفاد أقلية من المجتمعات وأضر بأغلبيتها.

يبدو أن الموجة مرشحة لتشمل دولا أخرى من القارة، ففي ألبيرو يقود الجنرال المتقاعد أولانتا هومالا صديق شافيز الحميم حركة تغيير للتصدي للسياسات الأميركية في القارة، وفي المكسيك يواجه الرئيس الحالي فنسنت فوكس الموالي لواشنطن تحديات قوية في مواجهة الزعيم اليساري أندريه أودبرادور.

وهي موجة يغلب عليها العداء للولايات المتحدة أكثر مما هي عودة إلى الماركسية، ستغير بالطبع من كثير من السياسات والبرامج لكنها لن تكون ثورة اقتصادية وإن كانت تحولا سياسيا كبيرا أقرب إلى الثورة.

وكانت نيكاراغوا آخر دولة تشارك في قائمة الدول الجديدة، بالإضافة إلى كوبا وفنزويلا وبوليفيا وتشيلي والبرازيل، ولكن نيكاراغوا تقدم مؤشرات جديدة ومهمة في التحولات السياسية والاجتماعية الجارية، فأورتيغا قائد الجناح العسكري للثورة الساندينية ورئيس نيكاراغوا السابق لم يعد تماما الماركسي الأيديولوجي، فهو يؤمن بضرورة الحفاظ على الملكية الفردية، داعيا رجال الأعمال والأغنياء إلى التعاون معه للقضاء على الفقر. ولا يتردد أورتيغا في الاعتراف بالأخطاء السياسية والاقتصادية التي وقعت في أثناء حكم حزبه، ولذلك يدعو إلى يسار جديد يناهض الرأسمالية لكنه منسجم مع الاقتصاد الحر والاستثمارات الأجنبية، ويدعو أيضا إلى مصالحة وطنية.

وتتميز الثورة الساندينية باستلهامها الدين المسيحي باعتبار التعاليم المسيحية تحض على مناصرة الفقراء والعدالة الاجتماعية، وتعتبر المسيح عليه السلام قائدا اجتماعيا متواضعا منحازا للفقراء، وتقف الكنيسة في نيكاراغوا أيضا موقفا مناصرا للعدالة الاجتماعية، وتدعو لمناهضة الهيمنة الرأسمالية.

وبالطبع فإن الحالة العدائية التي كانت تسيطر على العلاقات بين الولايات المتحدة ونيكاراغوا ليست مرشحة للعودة مرة أخرى، ولكن الأمور لن تكون أيضا في حالة انسجام وتوافق، فعلى الأغلب ستسلك نيكاراغوا في مشروع تحالف مع شافيز ويضم أيضا كل دول أميركا اللاتينية المناهضة للولايات المتحدة الأميركية.

تقوم مبادرة الرئيس البرازيلي داسيلفا - وهو نقابي سابق تعرض للاعتقال، وعاش تجربة شخصية قاسية، فقد بدأ حياته فقيرا، واضطر إلى الخروج من المدرسة والعمل وهو طفل صغير ليساعد والدته وإخوانه-  التي نجح على أساسها في الانتخابات على التصدي للأمية والفقر والجوع، ويقود المنتدى الاجتماعي العالمي المناهض للعولمة الرأسمالية، وتشكل مدينة بورتو ليغري في البرازيل مركزا لهذا المنتدي يقابل منتدى دافوس.

 

وقد وضع لولا برنامجًا يتكون من ثلاث نقاط أساسية: إنهاء دعارة الأطفال الذين يصل عددهم إلى 9 ملايين طفل، وإنهاء الجوع بعد أن وصل عدد البرازيليين الذين يأكلون وجبة واحدة يوميا إلى 30 مليون برازيلي من مجموع عدد السكان الذي يصل عددهم إلى 175 مليون نسمة، وأخيرا، إجراء إصلاح زراعي يستفيد منه 50 مليون برازيلي.

ويقول في مقابلة صحافية مع لوموند، تعليقا على لقائه بالرئيس بوش، يجب أن أتعايش مع الرئيس بوش، لا أستطيع أن أقنعه أن يحمل أفكاري، ولكني لن أحمل أفكاره أيضا.

[email protected]

التعليق