تعديل طفيف

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

اطلق رئيس الوزراء مصطلحا جديدا في مقابلته الاخيرة مع صحيفة الحياة اللندنية، حين وصف التعديل القادم بأنه تعديل "طفيف". وهو مصطلح يسمعه الناس في تقويم حوادث المرور او النشرة الجوية. فالإصابة الطفيفة لشخص ما تعني جروحا بسيطة او رضوضا لا تستوجب جاهة وعطوة، بل يمكن اغلاق الملف بصُلحة "على الواقف" بين الطرفين. أما في النشرة الجوية، فيكون الارتفاع او الانخفاض الطفيف على درجات الحرارة غير ملموس، فلا يزداد الحر ولا البرد، كما لا يقلان، أي يتبادر الى الذهن ان الامور كما هي بلا تغيير.

سننتظر حتى نرى التعديل الطفيف، فإذا كان وفق ما اعتاد الناس عليه في حوادث المرور او النشرات الجوية، فإن السؤال سيكون عن الحاجة اليه؟ كذلك، ما الذي سيفعله هذا "الطفيف"؟ اي ان الحكومة ليست بحاجة الى هذا "المهرجان"، ما دامت امورها ممتازة، وكل الوزراء يمارسون اعمالهم باقتدار وحكمة؛ إذ لم يكتف الرئيس بوصف التعديل بانه طفيف، بل اعلن ان كل الوزراء ممتازون، ويؤدون واجباتهم، وأن خروج بعضهم من الحكومة لا علاقة له بالأداء؟

وربما يكون الرئيس اول من يعترف -وان كان لا يقصد- ان كثيرا من عمليات دخول وزراء إلى الحكومات وخروجهم منها ليس بسبب كونهم مقصرين او مبدعين، والدليل ان كثيرا ممن يخرجون من حكومة يعودون الى حكومات لاحقة، بل إن بعضهم يخرج بتعديل من حكومة، ليعود عند تغييرها بعد اشهر إلى موقع افضل، ما يعني انه كفاءة، وأن خروجه لا علاقة له بهذا المعيار، تماما كما ان آخرين لم يدخلوا بسبب قدراتهم او حاجة الوطن الماسّة إليهم.

الرئيس تحدث ايضا عن ان المقصود بالتعديل ليس الاشخاص، بل هو مرتبط بالرؤى والبرامج، اي ان الحكومة ستكون على موعد مع برامج وخطط جديدة، وانها ستضع برنامجا جديدا للمرحلة القادمة. فهل يمكن اعتبار ما قاله الرئيس نوعا من استباق ما سيأتي مع التعديل "العادي"، والقول ان العبرة بالبرنامج؟

لكن ما هي ضرورات البرنامج الجديد ومعالمه؟ وماذا لو كان التعديل، مثلا، سيفصل وزارة التنمية السياسية عن الشؤون البرلمانية، فأي رؤية جديدة وراء هذا؟ وماذا لو ان أحد الوزراء المهمين اعطي لقب نائب رئيس، مثلا، فما الذي يعنيه هذا من تحول في برنامج الحكومة؟ وماذا لو جاء التعديل ليعيد ضم وزارة الزراعة الى المياه، او ليفصل التربية والتعليم عن التعليم العالي، فما الجديد، وهي عمليات ضم وفصل جربناها اكثر من مرة؟

ربما مازال امام الرئيس فرصة ذهبية في هذا التعديل ليعوض طريقة التشكيل التي لم تحمل جديدا، أما اذا كان التعديل سيكرر تجربة التشكيل او التعديلات على حكومات سابقة، فليوفر هذا الجهد، ولا ضرورة لكل هذا الضجيج السياسي، بخاصة وان الرئيس يقول ان من سيخرجون ليسوا مقصرين. ولهذا، اذا كان الامر لا يحمل ما يضيف إلى الحكومة اضافة نوعية، وكان الوزراء الذين سيخرجون يؤدون واجباتهم، فلتستمر الحكومة كما هي بانتظار محطة جديدة قد لا تكون بعيدة.

لعل المحصلة السلبية لتجارب كثيرة هي ان عملية تغيير حكومة وتشكيل اخرى قد فقدت قيمتها السياسية، ولم تعد امرا نوعيا او هاما؛ اي اننا اهدرنا دلالة التغيير والتعديل، تماما مثلما ادت هذه التجارب الى هدر دلالات المواقع الهامة، بحيث انخفضت المواصفات، وأصبحت الصدفة والتحزير، وليس القياس والمعيار، هو ما يوصل الاشخاص الى المواقع.

نتمنى للحكومة تعديلا حقيقيا وليس تنقلات داخلية، فالتعديل فرصة لأي حكومة لأن تستعيد توازنها اذا تم وفق معايير سياسية ورؤية، وإلا فلا ضرورة له ولا دلالة.

[email protected]

التعليق