محمد أبو رمان

استطلاع الفساد "المرعب"؟

تم نشره في السبت 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

على الرغم أنّ مصطلح "الفساد" كثيراً ما يتردد على لسان الأردنيين نخباً ومواطنين، إلاّ أن د. محمد المصري، مدير وحدة استطلاعات الرأي، في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، يعلّق على استطلاع الرأي الأخير حول اتجاهات الرأي العام الأردني عن الفساد، بالقول إن "الأرقام مرعبة". ويبدو لي أن المدهش في الأرقام ليس فقط من جهة تشاؤم المواطنين بجهود مكافحة الفساد إذ ترى 45.8% من العينة الوطنية أن الفساد سيزداد انتشاراً خلال السنوات الثلاث القادمة، ضاربة بعرض الحائط الروايات الحكومية حول مكافحته والحد منه، لكن من جهة أنّ أرقام الاستطلاع تثير، ايضاً، هواجس وتساؤلات عديدة حول تقبل شريحة واسعة من المواطنين لبعض أشكال الفساد بخاصة المحسوبية والواسطة واعتبارها أمراً مقبولاً!

ما المرعب في أرقام الاستطلاع الأخير؟ يكمن ذلك، أولاً، في الجانب الثقافي الذي يكشف عن حالة من "الجهل" الشديد، لا أقل من هذا الوصف، من قبل العينة الوطنية بقضايا الفساد الكبيرة التي قامت الحكومة الحالية بتحويلها إلى القضاء. والمفارقة الملفتة أن تعليق الإعلاميين كان عند كل قضية من تلك القضايا الرئيسة، بأنها "هزت الرأي العام الأردني"، ليكشف الاستطلاع الأخير عن أرقام ليست مغايرة، بل مناقضة لذلك!

فكيف يمكن الجمع بين حديث الأردنيين الدائم عن الفساد وبين أنّ ثلاثة أرباع المستيجبين للاستطلاع لم يسمعوا ولم يعرفوا أنّ الحكومة الحالية قامت بتحويل ملفات فساد رئيسة للقضاء، على الرغم أن هذه الملفات كانت بالفعل مدار سجال إعلامي وسياسي وحديث النخب في عمان في الفترة الأخيرة. بماذا نفسر أنّ 76.6% لم يسمعوا على الإطلاق بقضية "الكابسات" حتى بعد أن تمّ تذكيرهم بها؟! وأنّ 84.1% لم يسمعوا مطلقاً عن قضية اتحاد الجمعيات الخيرية وكذلك 91.2% عن شركة مغنيسيا، و92.2% عن جمعية المركز الإسلامي التي أثارت أزمة عاصفة بين الحكومة وبين أكبر قوة معارضة في البلاد "جماعة الأخوان"؛ فهل هذه الأرقام دلالة سلبية تدين الرأي العام نفسه أم تدين وسائل الإعلام المحلية أم تدين الحكومة التي لم تُعرِّف بدورها في مكافحة الفساد أم النخب المثقفة والأحزاب الضعيفة التي لم تنجح بلفت انتباه الرأي العام لخطورة الفساد وأهمية مكافحته والعلاقة الوثيقة بين الأوضاع الاقتصادية السيئة وآفة الفساد؟

بالتأكيد لم يكن تناول وسائل الإعلام لقضايا الفساد ضعيفاً، بل كان هنالك كثافة شديدة واهتمام كبير، لكن المشكلة أصبحت تتعلق بمدى اهتمام شرائح واسعة من الرأي العام بالشأن المحلي العام؟ ربما السؤال المطروح: هل نعيش حالة من الاغتراب السياسي الحقيقي؟! أم أنّ "فجوة الثقة المتنامية" في الحكومات، على حد تعبير د. فارس بريزات، أصبحت بمثابة الوادي السحيق الذي يفصل المواطنين عن القضايا المحلية، ويحد كثيراً من مساحة تفاؤلهم بقدرة الحكومة على القيام بقفزات حقيقية لحل معضلات رئيسة كالفقر والبطالة والإصلاح السياسي؟

في تحليل وتفسير هذه الأرقام؛ فإنّ النخبة لا تقوم بدورها، فعلى الرغم أننا ندندن ليل صباح عن الفساد وخطورته وانتشاره إلاّ أنّ ذلك كله لم يتعدَّ جانب الجلسات الخاصة والأحاديث المتبادلة لينتقل إلى مرحلة الجهود المبذولة الفاعلة. فقط القليل.. القليل يتم القيام به لكشف قضايا الفساد ومواجهتها، الأحزاب السياسية لم تقم بأي دور يذكر في كشف حالات فساد كبيرة، وكذلك النخب المثقفة لم تبنِ جبهةً من الرأي العام في محاربة الفساد، والكلام نفسه يقال على دور مؤسسات المجتمع المدني، فيما يقتصر دور الإعلام على مناقشة قضايا الفساد بعد أن تكشفها الحكومة، إذ لا يوجد دور إعلامي فاعل في الكشف عن حالات فساد ومتابعتها وتوثيقها. 

الهاجس الآخر الذي يثيره الاستطلاع يتمثل بتنامي شعور المواطنين بانتشار "الرشوة" في القطاعين العام والخاص. وتأكيد كل من العينة الوطنية وقادة الرأي على ذلك. بل إن اعتبار الرأي العام الرشوة من أخطر أشكال الفساد يؤكد أنها بالفعل تزداد وتتجذر، في حين كانت لا تذكر في السنوات السابقة، بخاصة لدى موظفي القطاع العام الأردني مقارنة بدول عربية أخرى. انتشار الرشوة الجديد في القطاع العام مرتبط حتماً بالفقر والفجوة بين دخل الموظف وغلاء المعيشة الملحوظ في السنوات الأخيرة، إذ تشير نسبة تقارب 50% أن سبب الرشوة في القطاع العام هو الفقر.

تكمن الخشية الحقيقية اليوم بأن تنامي الفجوة بين دخل الموظف في القطاع العام وبين مستويات الحياة ومتطلباتها وضعف القدرة الشرائية للدينار الأردني مع تجذر فج للشرخ الطبقي الكبير سساهم في صعود ظاهرة الرشوة ويجذرها، وهي الظاهرة المؤذنة بانهيار حقيقي للسمعة الكبيرة التي حققها "القطاع العام" الأردني من خلال انضباطه وتحليه بأخلاقية ومؤسسية عالية، وإذا انتشر مرض الرشوة فإنّ إزالته والتخلص منه ستصبح مسألة بغاية الصعوبة، وستصل الأزمة إلى حالة التطبيع معها، بمعنى تقبلها ثقافياً، كما يظهر الاستطلاع تقبل المحسوبية والواسطة.

وإذا كان للفساد أشكاله ومستوياته يبدأ من الموظف الصغير والهدايا البسيطة وينتهي بعمولات بالملايين وعشرات الآلاف من الدنانير على صفقات وتلزيمات لشركات، فإن أبرز ما يكشفه الاستطلاع يتمثل بحالة الإجماع من قبل العينة الوطنية وقادة الرأي على أن "فساد الموظفين الكبار في كل من القطاعين العام والخاص" من الأسباب الرئيسة للفساد، ومن المعروف أن فساد هذه الفئة لا يرتبط بملفات صغيرة أو تحايل على شظف العيش كما هو حال الموظفين البسطاء، بل بالثراء السريع على حساب الثروة العامة، من خلال "مافيات" في كل من القطاع العام والخاص. أي أننا أمام إدانة واضحة من الرأي العام لهذه الفئة وعدم ثقة بها، وهو موقف مثير للنقاش والجدل، بخاصة حول الأسس التي بني عليها، إذ بالتأكيد لم تأتِ من فراغ.

أين يمكن أن نضع القضايا الرئيسة التي قامت الحكومة بتحويلها للقضاء من أرقام الاستطلاع، ذلك سؤال يثير جدلاً حقيقياً، لكن بالتأكيد إنّ قضية الفساد لدى الرأي العام الأردني، إلى الآن، لا تزال "ضبابية" بين الأقاويل والإشاعات واغتراب الرأي العام عن الشأن المحلي، ربما تشاؤما من تغيير إيجابي بنيوي يمكن أن تحدثه أية حكومة!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اذلال فوق اذلال (يوسف)

    السبت 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    أقذر أصناف الفساد هو استغلال عناوين مكافحة الفساد لضرب المعارضة والخصوم السياسيين. كل هذا فيه احتقار واهانة للمواطن الأردني مع انه يعيش حالة اهانة تكاد تكون يومية .