د.باسم الطويسي

إفريقيا والصين ومستقبل الفقراء

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

مع اختتام أعمال منتدى التعاون الاقتصادي الصيني–الافريقي الأحد الماضي في بكين، تطوى صفحة اخرى، ربما تكون حاسمة، من عمر النظام الدولي الراهن، بعيدا عن الصفحات والنقاط الساخنة التي أوجدت المفاصل المصيرية في تطور أحوال النظم الدولية منذ قرنين على الأقل؛ حينما كانت تُقلب صفحات التاريخ بين لندن وباريس ويالطا وبرلين وغيرها من عواصم ومدن الغرب التي اعتادت على تقاسم ارث الحروب وغنائمها.

قمة بكين لم تنل نصيبها من اهتمامات المنافذ الإعلامية العربية، ولم تحتل المكانة التي نالتها في وسائل الإعلام العالمية على مدار الأسبوع الماضي؛ إذ راقبها العالم الغربي بحذر وترقب شديدين، نظراً لما يعنيه من أهمية اكبر وأول لقاء لدول العالم النامية، التي تضم حوالي ثلث سكان الأرض، بقيادة قوة كبرى صاعدة، الأمر الذي قد يحمل المزيد من الفرص للبعض، وتحديات ومصادر تهديد لآخرين، وربما يعكس بداية عصر جديد من التنمية الشاملة والسريعة على الطريقة الصينية، تشق دربها بسرعة نحو القارة السوداء. هذا إلى جانب ما يتوقع ان يتبع ذلك من استراتيجيات سياسية وأمنية، ومواقف وسلوك دبلوماسي جديد؛ ولعل الموقف الصيني في أزمة دارفور السودانية الراهنة يحمل أول إشارة دالة تنبئ بتغير قادم في بنية النظام الدولي السائد.

يعني التقاء ثاني اكبر اقتصاد في العالم، وأكثر الاقتصادات نمواً واستقلالاً، مع أكثر القارات غنى بالموارد البكر التي لم تستغل -وأهمها موارد الطاقة- بداية تشكل الملامح الأولى لمراكز القوى العظمى الجديدة وخياراتها وتحالفاتها القادمة. ويلاحظ ان التجارة بين الصين والقارة الإفريقية قد قفزت من10 بلايين دولار في العام 2000 إلى حوالي 40 بليون دولار في العام 2005، وهي مرشحة لقفزات جديدة بعد ان وقعت الصين خلال المنتدى الأخير اتفاقيات تعاون تجاري مع 31 غرفة تجارية تمثل20 دولة افريقية، علاوة على ان الصين نفذت 845 مشروعا تنمويا في 49 دولة افريقية منذ العام 1956، وأصبحت دولة مانحة للمساعدات والقروض الميسرة ومن دون فوائد للدول الإفريقية.

التوجه الصيني الاستراتيجي نحو افريقيا بهذه القوة من المحتمل ان يشكل احد ملامح القرن الجديد، وقد اخذ هذا التوجه يثير القلق الغربي، ويوصف في بعض دوائر الغرب باحتلال صيني قادم لإفريقيا؛ إذ تتمثل الأهداف الصينية في ضمان تدفق الموارد الاستراتيجية إلى الصين، وأهمها البترول، وكذلك ضمان وجود آمن للصين في مناطق هذه الموارد، كما الأسواق المفتوحة أمام إنتاجها السلعي المزدهر والهائل، وسط منافسة حادة. مع العلم أن نمو الصين وحدها أدى إلى زيادة الطلب العالمي على البترول، إذ وصلت نسبة طلب الصين من هذه المادة إلى40% من الطلب العالمي.

وتنبع خطورة هذه التحولات من كون الصين تشكل المنافس الأول للولايات المتحدة على النفط الافريقي، ولا سيما ان حاجاتها النفطية ستزداد خمسة أضعاف في العام 2030. وتستورد الصين حاليا 25% من وارداتها النفطية من افريقيا. كما وتعمل بكين، منذ سنوات، على اختراق مناطق النفوذ الأميركي البترولية، وعلى رأسها خليج غينيا الغني بالنفط، ومنافسة الولايات المتحدة على الاستثمارات النفطية، وقد نجحت في كل من انجولا ونيجيريا والجابون وغينيا الاستوائية، وتستحوذ منذ العام 1995 على نصف صادرات السودان، حيث شيدت خط أنابيب بطول 1500 كيلومتر لنقل الإنتاج النفطي إلى ميناء بور سودان على البحر الأحمر، ومنه إلى ناقلات النفط العملاقة المتجهة إلى الصين، وهذا ما يفسر الحفاوة والأهمية التي نالهما الرئيس السوداني خلال قمة المنتدى الأخير.

وتعد أزمة دارفور مثالاً واضحاً على التغيرات التي تشق طريقها للتدليل على تحولات النظام الدولي بفعل الضغوط المتزايدة لدبلوماسية الطاقة. ولعل رفض السودان لتدويل أزمته الداخلية، ورفضه استقبال قوات دولية وإصراره على هذا الموقف، ومعاندة القرار الأميركي الذي نال الشرعية الأممية، ثم تراجع الولايات المتحدة عن هذا المطلب والعودة إلى المطالبة بتعضيد القوة الإفريقية، إضافة إلى إقدام الخرطوم -قبل أيام قليلة- على طرد مبعوث الأمم المتحدة للسودان، كل هذه التطورات تدل على حجم التحولات التي باتت تفرضها خرائط المصالح الجديدة في العالم على سلوك النظام الدولي.

وبحسب العديد من المصادر، فان تلويح الولايات المتحدة بفرض عقوبات جديدة على السودان، كان من المحتمل ان يواجه بفيتو صيني في مجلس الأمن، يشكل سابقة في تاريخ العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة.

وفي جميع المراحل، لم تشهد العلاقات الافريقية-الصينية تفاعلات صراعية، الأمر الذي يؤكد ان المشروع الحضاري الصيني المعاصر لا يتناقض مع حقوق شعوب هذه المنطقة في التنمية والإصلاح والنهضة.

وبالعودة إلى السيناريو الأمني الذي وضعه صامويل هنتنجتون لإدارة النظام العالمي من خلال خطوط التماس في صراع الحضارات، والذي يتوقع فيه ان تكون علاقة الغرب بكل من العالم الإسلامي والصين عدائية من جهة، وتبلور هوية حضارية صراعية تجمع الأفارقة حولها، مع توقعه بألا تكون علاقة الصين بالعالم الإسلامي حسنة من جهة ثانية؛ نجد انه إذا كان مسار الاستنتاج الأول يأخذ دوره على الأرض، فان الاستنتاج الثاني غير دقيق، إذ إن تاريخ الحضارات لم يعرف صراعا حول القيم والأخلاق والمفاهيم، إنما حول النفوذ والقوة والمصالح.

العالم يتغير بسرعة غير ملحوظة لمن اعتادوا رؤيته بعيون أميركية فقط، وبينما تهرول الولايات المتحدة هرباً من أميركا اللاتينية، حيث يتوالى انهيار النظم الموالية لها، وآخرها عودة السندستانية بقيادة اورتيغا إلى نيكاراغوا، تجد افريقيا التائهة منذ قرون في طريق الحرير الصيني الجديد الدرب الأقرب للوصول إلى تنمية مستقلة، ومحاربة الفقر والتخلف، وهذه التحولات تضرب عميقاً في بنية العالم الغربي نفسه.

ويكفي ان نلاحظ تراجع نسبة الأوروبيين المؤيدين لان تلعب الولايات المتحدة دوراً قيادياً في العلاقات الدولية إلى 37% في العام 2006، مقارنة بـ64% في العام 2002، بحسب استطلاع أجرته مؤسسة صندوق مارشال الألماني في شهر أيلول الماضي.

basim.twissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التحالفات الدولية مرة اخرى (جبريل الهلالات)

    الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    هذه المرحلة هي بامتياز مرحلة التحالفات والتكتلات الدولية, ولعل التحالفات الاقتصادية هي الاوثق و الامتن. تشكل الصين قوة عظمى صاعدة بقوة الى ساحة صنع القرار العالمي ولعل تاثير بكين في الملف الكوري الشمالي كان الاقوى والاكثر اتزانا بعيدا عن التهديد والعنجهية التي قادتها واشنطن و طوكيو. و تبقى الصين بثقلها السكاني واقتصادها الواعد داعما للدول النامية في الساحات الدولية واعتقد ان لها الحق ان تجرب نفوذها في هذه الدول على اساس المصالح و العلاقات الاستراتيجية.