إلى أين وصل الإرهاب في الأردن وفي العالم؟ (ملحق خاص)

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

يبدو العنف الديني بعد عام على وقوع تفجيرات الفنادق في عمان متجها إلى الانحسار والتوقف سواء في الأردن أو العالم، فقد انحسرت الموجة التي استهدفت دولا عربية وإسلامية عدة، مثل الأردن ومصر والسعودية والجزائر، وبدأ الصراع في أفغانستان والعراق يأخذ أبعادا جديدة من المقاومة والنزاعات الأهلية والطائفية والفوضى المسلحة بقصد النهب والانتقام، ولم تعد العمليات والصراعات القائمة على رؤية دينية محضة، وبهدف الجهاد والاستشهاد تشكل نسبة تذكر.

وقد بدأت تحولات العنف في الأردن مبكرا في إشارة على انحساره كظاهرة محلية ليأخذ بعدا معولما ثم يتراجع وربما يتوقف، ففي السنوات الأخيرة لم تعد عمليات العنف أردنية بمعنى هوية القائمين عليها والمشاركين فيها إلا بنسبة قليلة، وتكاد ترتبط بما يحدث ويدور في العراق أولا ثم فلسطين، وتنفذ من الثغرات الأمنية والفنية التي أدت إليها الأوضاع هناك، من فوضى وضعف سيطرة على الحدود والأراضي، وانتشار السلاح، هذا بالإضافة بالطبع إلى الحالة التي نشأت في العراق بسبب السياسات الأميركية، والتي أدت باعتراف المسؤولين الأميركان إلى زيادة الإرهاب وتناميه في العراق وفي العالم.

لقد أشرت في بداية المقال إلى انحسار العنف على أساس ديني، ولكن يبدو واضحا بالطبع أن العنف يأخذ طابعا جديدا، ويزداد حدة في أنحاء مختلفة وبخاصة في العراق وأفغانستان، يقول الرئيس برويز مشرف في مقابلة تلفزيونية إن الأزمة القائمة اليوم في أفغانستان تعود ببساطة إلى أن البشتون الذين يشكلون المجموعة الرئيسية والتاريخية في أفغانستان يتعرضون للتهميش والإقصاء، وهي حالة تشبه الوضع في العراق عندما أدت سياسات إقصاء وتهميش العرب السنة، واستخدمت سياسات اقتلاع البعث لإعلان حرب على العراق بكل موارده البشرية والفنية، فقتل المئات من الأطباء والقضاة والأساتذة الجامعيين، وأبعد عشرات الآلاف من خيرة الكفاءات العراقية التقنية ممن لا تستطيع دولة حديثة العمل بدونهم، وحول الجيش العراقي والقوات الأمنية العراقية كما يعترف مسؤولون حكوميون في العراق إلى ساحة للعصابات الإجرامية والطائفية والمرتبطة بالخارج.

 

 

وتبدو النتائج والقراءات التي قدمها تقرير سري لوكالات استخبارات أميركية نشرت أجزاء منه في الصحافة الأميركية مختلفة قليلا عن العرض الذي قدمته لمسار العنف، وإن كان ثمة اتفاق جوهري في الفكرة وفي مسائل عدة يجب ملاحظتها، فالتقرير يؤكد زيادة خطر ما سماه الإرهاب العالمي، ويجد أن حرب العراق أفرزت جيلا جديدا من "الجهاديين"، ويذكر أن ثمة أربعة عوامل رئيسية لانتشار الإرهاب وهي الاعتداءات الظالمة في العالم الإسلامي والجهاد العراقي وبطء مسار الإصلاحات في العالم العربي والمشاعر المعادية لأميركا، وأن الحركة الجهادية العالمية التي تضم الشبكات الملتحقة بتنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية المستقلة والشبكات والخلايا الناشئة، تتطور وتتأقلم مع الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، وتذكر كثير من مصادر التقرير أن الناشطين الذين يعرفون أنفسهم بأنهم مجاهدون يزدادون سواء على الصعيد العددي أو الانتشار الجغرافي.

وإذا ما استمر هذا الاتجاه –يقول التقرير- فإن التهديدات ضد المصالح الأميركية في الولايات المتحدة وفي الخارج ستتزايد، مما سيؤدي إلى ارتفاع وتيرة الهجمات في العالم، وأصبح العراق قضية أساسية للمجاهدين تغذي ضغينة عميقة حيال الوجود الأميركي في العالم الإسلامي وتؤدي إلى وجود متعاطفين مع الحركة الجهادية على المستوى العالمي.

ويجد التحليل الاستخباري بأن التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية لا يحظى بتأييد لدى المسلمين إلا لدى نسبة ضئيلة، ولكن قدرة الجماعات القتالية على استقطاب المؤيدين والأنصار مستمدة من الاحتلال الأجنبي والعداوة ضد الولايات المتحدة.

وهذه النقطة الأخيرة التي يؤكد عليها التقرير تشكل مفتاحا مهما لإعادة فهم وتحليل العنف وتقدير مساراته ومستقبله، فالعنف لا يجمع أنصاره على أساس التفسير المتشدد للإسلام والنصوص الدينية، وإن كانت كثير من الجماعات المتطرفة تؤمن بمفاهيم وتفسيرات متشددة ومتطرفة، ولكن التجربة العملية تؤكد على أن جمع الأنصار والمؤيدين والمتطوعين في الجماعات المتطرفة إنما يكون مستمدا من أحداث الاحتلال والهيمنة وليس من النصوص والاعتقاد الديني، ففي البلاد التي وقع فيها احتلال تنامى العنف وتحول إلى شبكات من المقاومة الراسخة، وفي البلاد الأخرى انحسر العنف وجرت السيطرة عليه، وأجرت كثير من الجماعات المتشددة مراجعة استراتيجية لأفكارها ومواقفها واتجهت نحو المصالحة والاعتدال أو اختفت عن المسرح.

ما الذي يعنينا من هذه المقدمة الطويلة ونحن نفكر (في) ونحلل العنف في الأردن؟

إن الجوار الإقليمي للأردن سيجعله مستهدفا ليس بسبب سياساته ومواقفه، وليس بسبب انتشار التطرف والجماعات المتشددة (مع وجوب عدم إغفال هذين العاملين بالطبع) ولكن بسبب الأحداث والأزمات الدائرة في فلسطين والعراق، وقد يكون من الصعب أن ينأى الأردن بنفسه عما يدور في العالم، أولا بسبب الصلة الجغرافية والتاريخية والثقافية والسكانية بالعراق وفلسطين، وثانيا لأن العنف يأخذ بعدا معولما، وليس مكانيا يستهدف دولة أو حكومة أو سياسة محددة، فهناك مسائل يجب أن تؤخذ بالاعتبار عند محاولة فهم طريقة عمل وتفكير الجماعات المسلحة والثغرات والفرص التي تساعدها على العمل.

ولكن كيف يمكن فهم عمليات تفجير الفنادق في كل السياقات الفكرية والعولمية وما يدور في العالم؟ فهل تخدم مثل هذه العمليات على الأهداف المفترضة لهذه الجماعات؟ هل تضر "الصهيونية الحاقدة والصليبية الماكرة" بشيء؟

بصراحة فإنني عاجز عن الإجابة، فالفكرة المباشرة التي تبدو لي والمعلومات المتاحة تشجع على الاستنتاج أن ثمة حالة من الجهل الشديد تشجعه الفوضى والأحقاد واليأس، فربما كان يتصور هؤلاء المنفذون أن الفنادق هي مراكز للعدوان على الإسلام والمسلمين وأن روادها هم من أعداء الإسلام! وإذ كان هذا التحليل صحيحا فإننا نواجه إشكالية كبرى، فقد كان الافتراض السابق أن الجهات المستهدفة في الإرهاب ليس من بينها فندق أو بار أو حفل زفاف، أو مركز تجاري.

ولكن يمكن تحقيق الكثير في مواجهة العنف والتطرف الأعمى ومحاصرته، وذلك بإنشاء حالة من الوعي الثقافي العام وبالتماسك الاجتماعي والسياسي الداخلي، فعندما يكون الإرهاب والتطرف عملا منبوذا في المجتمع ويرفضه الناس فإنه يخسر خسارة حاسمة، ويفقد القدرة على مواصلة عمله والتخفي بين الناس، والحصول على التشجيع والإيواء والموارد.

وهنا يمكن أن نقول الكثير فيما أنجزنا وفيما قصرنا في إنجازه أيضا على مستوى المجتمع والحكومة، والقطاع الخاص أيضا يجب أن يشارك في تحمل المسؤولية، فهذه الشركات والبنوك التي تشير تقاريرها إلى الأرباح والنمو التجاري والتي بدأت تحل مكان الحكومة في توفير الخدمات والتي بدأت تقدم إلى الحكومات المتعاقبة عددا كبيرا من الوزراء والمسؤولين يجب أن تكون شريكة في العملية الاجتماعية وفي الإصلاح والتنمية.

هذا الهدف لا تحققه الحملات الإعلانية والإعلامية ولا التشريعات المحكمة الصارمة، فلم تكن مشكلة الإرهاب بسبب ثغرات ونقاط ضعف في التشريعات ولا في تأييد الإرهاب في وسائل الإعلام، ولكنها سياسات للتعليم والثقافة المجتمعية والتنمية والعدالة الاجتماعية، هادئة وبطيئة وقاسية ومملة وبعيدة عن المؤتمرات والفنادق وإغواء الإعلام والعلاقات العامة، وتلك مشكلة الإصلاح أنه لا يتحقق بذلك النوع الأنيق المترف من البرامج والذي يبدو إنه يشكل إدمانا بحاجة إلى العلاج.

التعليق