شاشة أكبر لتأمل الانتخابات الأميركية

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

اكتب مقالي هذا في ذروة الحملة الانتخابية الأميركية، لكنك بالكاد تشعر أن ثمة انتخابات تجري في الولايات المتحدة إذا ما كنت بعيدا عن التلفاز والصحف. فالحملة تجري فعلا على وسائل الإعلام، والمهرجانات الانتخابية ترتب مواعيدها وأنشطتها لتكون مناسبة للتصوير التلفزيوني. ويبدو أن هذه هي سمة الانتخابات في البلاد الغربية التي ابتدعت وطورت هذا الأسلوب في الحكم، منذ أن وضع نواته الإغريق القدامى قبل ألفي عام؛ فنفس الصورة رأيتها في بريطانيا التي أقمت فيها لعامين، حتى لافتات الطرق لا تزيد عن لافتات صغيرة تغرس على جنبات الطرق وتحمل فقط اسم المرشح والمنصب الذي ينافس عليه، من دون أي شعارات ووعود، فالتفاصيل يعرضها المرشح في التجمعات الانتخابية، ومنها إلى وسائل الإعلام.

ويبدو أن الدول التي انتقلت إليها عدوى الديمقراطية والانتخابات من الغرب، أو تلك التي لا تزال تتعلمها، تفضل وسائل صاخبة اكثر؛ ففي الدول الآسيوية، كاليابان وكوريا، يتجول الناخب في سيارة نقل مكشوفة كأنها عربة لبيع "الآيس كريم"، مرتديا وشاحا وحوله فريقه الانتخابي، فيستعرض مهاراته الخطابية في الشارع بينما يحث الموظفون الخطى نحو أعمالهم. وهي طريقة اعتقد أنها مزعجة، لكن يبدو أنها لإقناع الناخبين بجدية المرشح وإصراره.

أما في الكويت، فقد اشتهرت الحملات الانتخابية بالسرادقات التي تشبه حفلات العرس، وإن استعيض عن المطرب بمحاضرات جادة يلقيها المرشح أو أحد أساتذة الجامعة أو المشايخ، تبعا لتوجه المرشح السياسي، وهو منهج استعاره بعض المرشحين في السعودية في تجريب الانتخابات البلدية العام الماضي. وفي مصر، تظهر لافتات القماش سيدة الموقف، والتي علقت عليها المرحومة سعاد حسني في فيلمها الأشهر "الكرنك" قائلة: "لو وزعنا آلاف الأمتار هذه على الفقراء الذين نزعم أننا نمثلهم لكستهم"، وانتهت –في الفيلم- سجينة تعذب وتهان في أحد معتقلات الرئيس "الخالد" عبدالناصر. وكان ذلك الفيلم بداية لعودة الوعي لفترة قصيرة لدى المثقفين المصريين، ثم عاد كثير منهم ليغيبوا وعيهم، فلازالوا يحتفلون بذكرى الزعيم في كل مسلسل يفرضونه علينا في المواسم الرمضانية.

الانتخابات وأساليبها وسياستها وتشريعاتها وسبل تمويلها، في الولايات المتحدة، علم يستحق الاهتمام والدراسة منا نحن العرب الذين لانزال نتدرج في مدرسة الديمقراطية، ولكن لايزال تعاملنا مع هذه الانتخابات ينحصر في تحليل نتائجها المؤثرة على القضايا العربية، أو التعامل معها بشكل سلبي بإبراز عوراتها ونواقصها، وكأننا من أهل السويد، وقد بلغنا مبلغا من "الحكم الراشد" يؤهلنا للحكم على الآخرين، ونصحههم وتوجيههم! ففصيل من المثقفين والكتاب العرب يعتقدون أن المسؤولين في بلادهم يرضيهم تأليف الكتب، وتسطير المقالات التى تؤكد "زيف الديمقراطية في الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا". وبينما يعتمد الليبراليون منهم فيما يكتبونه على نقد مفكري الغرب لديمقراطيتهم، يدور الإسلاميون منهم حول نظرية "حتمية الحل الإسلامي" القديمة، وكيف أن الغرب الرأسمالي اكتسح كل نظرية تعارضه، وكل حضارة وقفت في وجهه، وظل الإسلام وحضارته ونظريته عقبة كأداء. ومشكلتهم هنا إصرارهم على حتمية الصدام بين الإسلام والغرب، وينجر ذلك على الديمقراطية وسبل الحكم الحديث الذي يستطيع المسلم الواعي استخدامها للرقي، من دون أن يصطدم بالغرب ولا أن يذوب فيه.

ويحرك هؤلاء وهؤلاء اعتقاد أن الديمقراطية وأدواتها سلاح يكاد أن ينقض على الحكام العرب، فتطوعوا من اجل حمايتهم، وإظهار الولاء لهم. وأحسب أن الحكام العرب لا يحتاجون إلى ذلك كله، خاصة منهم أولئك المتصالحون مع شعوبهم، فلم نسمع منهم، وعلى الأقل منذ أن هبت على عالمنا العربي نسمات الإصلاح، رفضا للديمقراطية كوسيلة حكم يمارسها الغرب ومعه كثير من الدول المتطورة، والحق أن في رفضها المطلق عبث، وتضييع فرص، إذ يكفي أن يستعرض أحدنا قائمة الدول الأغنى حول العالم ليجد أن بينها وبين الديمقراطية علاقة طردية، والعكس صحيح، دون أن يلغي ذلك حقيقة ارتفاع الدخل في دول الخليج، وسببه ليس دوما النفط وإنما حالة الانفتاح والمشاركة في القرار حتى من دون المؤسسات الديمقراطية الكلاسيكية بين الحاكم ورجل الأعمال والصناعة والمثقف والعالم وشيخ القبيلة، والتي لا تقتصر على المصلحة المباشرة في التعامل بين الاثنين، وإنما تشمل مصالح الدولة كلها التي تكون موضع نقاش وتبادل رأي بينهما.

قل أن تجد تصريحا أو موقفا صريحا لحاكم عربي يرفض الديمقراطية وأدواتها كحتمية تاريخية تسير إليها دولهم بفعل قوة التاريخ، وانتشار العلم والوعي السياسي، ويحضرني هنا تصريح شهير لوزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، عندما سأله صحافي إبان الغزو الأميركي للعراق، وفي ذروة حماس المحافظين الجدد لنشر أو فرض الديمقراطية في المنطقة، قبل أن ينهار مشروعهم، ومعه للأسف مشروع الإصلاح في العراق، لعيب فيهم وفي خططهم، وليس في الديمقراطية، وكان السؤال عما إذا كان ذلك يقلق السعودية؟ فرد الأمير بكل ثقة: "نفضل في المملكة ألف مرة أن نقصف بأفكار جفرسونية على أن نقصف بصواريخ سكود من العراق". والأفكار الجفرسونية منسوبة هنا إلى توماس جفرسون، أحد آباء الديمقراطية في أميركا والغرب كله. كما أن اكثر من مسؤول سعودي أشار إلى أن الإصلاح في السعودية هو "عملية تطور مستمرة"، سقفها هو تطبيق مبدأ "الحكم الراشد" الذي يكون بالتوسع في الشورى، والمشاركة الشعبية، والمحاسبة، واستقلال السلطات، من دون الاصرار على التسميات، أو استعارة تطبيق حرفي من الغير، وانما عملية تطور تتوافق مع تطور المجتمع.

ليت هؤلاء الكتاب أمضوا الأسابيع الأخيرة هنا في الولايات المتحدة لمراقبة الانتخابات النصفية التي ستجري اليوم، لينقلوا صورتها الحقيقية إلى جمهورهم العربي المتعطش إلى الإصلاح، بما فيها من إيجابيات وسلبيات. فالديمقراطية في أميركا هي الأخرى

"عملية تطور مستمرة"، وتتعرض لنقد وتحليل من الأكاديميين والمفكرين، فيضغطون على الناخبين كي يفرضوا مصالحهم على المرشحين. فسلطة الرئيس في إعلان الحرب، ووجود ثغرات في النظام سمحت له بذلك، ستكون موضوعا للتعديل، وفرض قيود اكثر عليه، فيما لو نجح الديمقراطيون في السيطرة على الكونجرس بمجلسيه. وقد فتح هذا الموضوع على الأميركيين كارثة حرب العراق التي يعيش معاناتها كل أميركي، بما تستنزفه من أرواح وبلايين الدولارات، كما قوة الشركات الكبرى التي باتت صاحبة الكلمة الأخيرة نتيجة النظام الحالي الذي يسمح لها فعليا بشراء الديمقراطية الأميركية بـ2.6 بليون دولار، هي قيمة التبرعات لحملات المرشحين الانتخابية لهذا العام، وهو رقم يزداد باستمرار. والموضوع الآخر رهن النقاش هو وجماعات الضغط العتية.

لكن هذه العيوب الخطيرة، والتي تستحق منا الدراسة لتلافيها عندما تنتقل إلينا هذه العدوى، لا تلغي أن القضايا الأهم هي قضايا المواطن، وهي نفس القضايا التي تهم أي مواطن، عربيا كان أم تايلانديا، مثل التعليم، والضرائب، والرعايا الصحية، والإنفاق على البحث العلمي، والحد الأدنى للأجور، والوظائف، ويكفي في هذه الأخيرة نموذجا للرقي الذي بلغته مطالب المواطن الأميركي، إذ لم تعد القضية الأهم هي الحصول على وظيفة فحسب، بل إن النقاش تحول إلى نوع الوظيفة التي تكفل للأميركي الحياة في بحبوحة وسعادة، فهو لم يعد يكفيه أن يمتلك تلفزيون "بلازما"، إنما يريد سينما منزلية بشاشة 60 بوصة! وأنا متأكد أن كل عربي يريد ذلك أيضا.

كاتب ومستشار إعلامي سعودي

التعليق