ياسر أبو هلالة

جثة صدام

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

يقترب الجمهوريون في انتخابات الكونغرس الأميركي من التعادل، وربما الفوز، وأقله تجنب هزيمة قاسية بفضل توقيت حكم الإعدام على الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وستكون لجثة صدام ، في حال إعدامه، دور حاسم في ترجيح كفة الجمهوريين الذين كانوا يواجهون هزيمة مؤكدة.

أي إنجاز يحققه بوش ليس أكثر من مقبرة جماعية مفتوحة. فجثة صدام لن تضيق بها أرض العراق التي قتل فيها زهاء ستمائة ألف عراقي، والأميركيون ليسوا أحسن حالا؛ فعدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العراق تجاوز، منذ شهر، عدد الأميركيين الذين قتلوا في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر. أما الخسائر المالية، فتجاوزت ثلاثمائة بلايين دولار.

العراقيون لن يغير قرار الإعدام أو تنفيذه شيئا في حياتهم؛ منقسمون على صدام، ويزداد انقسامهم حدة بإعدامه. أما الشارع العربي والإسلامي الذي رآه ذات يوم في القمر، فسيرفعه إلى مرتبة الأبطال الذين ضحوا بحياتهم في سبيل أمتهم. ومهما قيل عن استبداده ودمويته وفساده، فإن الدماء تُظهر كل ذلك.

سيقال إنه كان بإمكان صدام أن يظل في قصوره مستبدا دمويا فاسدا، معززا مكرما، ويُفتح له البيت الأبيض لو أنه كان "صديقا" لأميركا، ولكنه أهين وحوكم لأنه تجرأ وضرب إسرائيل، وشكل تهديدا لها.

يحاسب صدام ويحاكم على مجزرة الدجيل، في الوقت الذي يكافأ فيه أولمرت على مجزرة قانا، كما كوفئ شارون على مجزرة صبرا وشاتيلا. وسيكرّم شارون ميتا كما كُرّم حيا، وسيشارك بوش شخصيا في جنازته إن قضى في غضون فترة رئاسته، لكسب أصوات لحزبه الجمهوري. كسب بوش من قرار إعدام صدام، ويكسب أكثر حين تنفيذ الحكم، أما الشعب الأميركي فعليه ألا يسأل لماذا يكرهوننا؟

صدام مستبد ودموي، ووطني في الوقت نفسه، وقد أحبه الشارع للخصلة الأخيرة. المشهد الأخير له مكبرا هاتفا باسم الشعب والأمة سيخلده في المخيال العربي والإسلامي، وسينسى الشارع ما اقترفه من جرائم بحق شعبه وأمته، جرائم لا يمكن تفسيرها أو الدفاع عنها، مجازر لا يقلل من روعها ارتكاب الأميركيين وعملائهم جرائم تفوقها قسوة وعددا.

سمع العالم هتاف صدام وتكبيره، وشاهد شموخه، وتذكرتُ حينها قسم الإعدامات في سجن أبوغريب؛ أكثر من عشرين زنزانة كانت تجري فيها الإعدامات بصمت، ولم يكن أحد يسمع  تكبير  الضحايا أيضا وهتافهم لشعبهم وأمتهم.

لا يفارق مخيلتي مشهد صدام، تماما كما لا تفارقها الكتابات التي شاهدتها مخطوطة على زنازين الإعدام! كان الضحايا يكتبون لأنفسهم وهم على ثقة أن أحدا لن يقرأها، ولم يتوقعوا أن الأميركيين سيأتون يوما ويفتحون الزنازين، وسيأتي يوم تفتح فيه زنازين العهد الجديد من دون نسيان الزنازين على الهواء التي بثت عليها مسرحية محاكمة صدام الطويلة والمملة والمأساوية، خلافا لمحاكمات صدام لضحاياها، سريعة ومأساوية!

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق