إبراهيم غرايبة

العراق والانتخابات الأميركية

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

تتسارع الأحداث في العراق، وتختلط الأوراق والحسابات والمصالح على نحو يجعل فهم المشهد القائم وتحليله عملية مركبة متعددة الأبعاد والجوانب. ففي الشهر الماضي، تصاعدت عمليات استهداف الجنود الأميركيين بمعدلات غير مسبوقة منذ الغزو الأميركي للعراق العام 2003، وتجري عمليات تفاوض بين الأميركيين والمقاومة العراقية، وأظهرت الأحداث والاعترافات الرسمية في العراق والولايات المتحدة أن الأجهزة الأمنية العراقية مخترقة بنسبة 70%، وتتفاعل الأحداث في العراق مع الانتخابات الأميركية التشريعية، والاستعدادات للانتخابات الرئاسية، فقد تحول العراق إلى موضوع انتخابي للإدارة الجمهورية الحاكمة وللمعارضة الديمقراطية، إذ تتوالى الاعترافات الأميركية الرسمية بالمأزق في العراق، وتستخدم المعارضة الديمقراطية المعلومات المتسربة إلى الصحف، أو التي تسربها، للضغط على الإدارة الأميركية.

المأزق الأميركي يجر العراق إلى أزمات وتوتر غير منطقي في سياق الصراع العراقي مستقلا عما يدور في الولايات المتحدة. ولا تقف أزمة الولايات المتحدة الأميركية في العراق عند استمرار قتل الجنود الأميركيين بأعداد متزايدة -وقد كان عددهم في الشهر الماضي أكثر من مائة جندي- ولكن تمتد إلى مأزق سياسي أميركي وعالمي يقود إلى تداعيات وتحولات سيكون أقلها هزيمة الجمهوريين في الانتخابات التشريعية والرئاسية.

كانت السنوات العراقية الماضية قائمة على صنع الأزمات ثم معالجتها بأزمات أخرى؛ فقد استقوت الإدارة الأميركية بالشيعة، وأقدمت على إضعاف السنة العراقيين واستعدائهم، لكنها وجدت نفسها اليوم في أزمة أكبر وأشد خطورة. فتحت عنوان اقتلاع البعث، جُرّد العراق من جيشه وضباطه وعلمائه، وحُوّل إلى مسرح للعبث والجريمة، والحرب الأهلية، والسلب والنهب، وغياب الأمن والاستقرار، وتحول جزء من قوات الأمن إلى غطاء لعصابات الجريمة والحقد والتصفية الطائفية.

وليس الحل هذه المرة في مواجهة "المد الشيعي" ومواصلة الحرب الطائفية بتغيير التحالفات والدعم، فهذا يعني مواصلة غياب الاستقرار والأمن، والدول والمجتمعات لا تسيرها قوانين الصراع، ولكن التعايش وإدارة المصالح والتفاعل مع المكان والموارد، وتنظيمها على أساس من المهن والسكان والأعمال؛ والطوائف والقبائل والعشائر لم تعد إطارا تنظيميا يستوعب الناس والمجتمعات في إدارة وتسيير المؤسسات والمصالح، ومن ثم فإن ما تقوم به الإدارة الأميركية اليوم في العراق هو ليس فقط تدمير لمؤسسات العراق ومرافقه وخدماته وأمنه واستقراره، ولكن استعادة قسرية لأنماط من التجمع والتقسيم تناسب مجتمعات رعوية متحاربة، وليست دولا حديثة تسعى إلى تطوير مواردها ومؤسساتها، وتأهيل مجتمعاتها، بما يمكنها من إدارة مواردها، وتنظيم نفسها على أساس احتياجاتها وأولوياتها.

يحتاج العراقيون اليوم إلى إعادة تعريف لمفهوم الأمن القومي للبلاد، والذي لم يعد واضحا مع تداخل الولاءات الطائفية والإقليمية وتعمقها على حساب الدولة الوطنية، والردة إلى الطوائف بدلا من الدولة والتشكيلات الاجتماعية والمهنية. صحيح أن الجيش العراقي دُفع في السابق إلى حروب إثنية وعرقية مع المواطنين، لكنه أيضا ساهم في التنمية والتحديث والتشكيل الاجتماعي للعراقيين، ويمكن استدراك العملية الأولية والبناء على العملية الثانية، بدلا من الاستغناء الكلي، ومعاقبة الذات بحرمان العراق والعراقيين من خيرة الكفاءات والنخب.

لقد كانت الجيوش على الدوام ومازالت، وفي معظم الدول، تمثل المؤسسة الجامعة للشعب، ويمكن أن تُدمج المجموعات العراقية كلها في إطار الجيش، لكن دور المؤسسة الجامعة للشعب لا ينبغي أن يقتصر على تعليم المساواة، بل بإمكانه استخلاص الدروس والعبر من ممارسات الحكم السابق، عندما قامت هيئة التصنيع العسكري بالإسهام في تأهيل المشروعات المائية في بغداد، وفي دول أخرى تساهم المؤسسة العسكرية في مشاريع المرافق والبنى التحتية وفي الزراعة، ويتعدى النموذج في الصين إلى الأعمال التجارية.

وهكذا، فإن الجيش العراقي يمكن أن يساهم في مكافحة الأمية في العراق، وترسيخ التعددية، والتأكيد على جوانب القوة والإيجابية فيها، ويستطيع العراقيون الذين يصفون أنفسهم بأعرق وأهم الحضارات في التاريخ، أن يبنوا مستقبلا واعدا لهم وللعالم أيضا، بدلا من هذه الكارثة التي تُجلب عليهم وعلى العالم.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق