جغرافيا وواسطة

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

في العديد من جلسات الناس، تسمع بعض من يقول ان ابناء المحافظة او العشيرة الفلانية "واصلون" ولهم واسطة، لأن منهم المسؤول الفلاني. وفي مجلس اخر تسمع عن ابناء محافظة او جغرافية اخرى بأنهم محظوظون ولهم واسطة. وهكذا، بتغير المجالس، تتنوع تصنيف الجهات المحظوظة. واحيانا توصف جغرافيا اخرى بأنها صاحبة حضور ونفوذ لأن منها مؤسسات اقتصادية، او غيرها من اشكال النفوذ.

لكن تجربة الناس العامة تقول ان الواسطة او الحظوة لا تأتي لأهل جغرافيا او ابناء عشيرة اذا جاء منهم مسؤول، أيا كان موقعه، لأن الحظوة تكون فقط للمحسوبين والمقربين من هذا المسؤول، اما بقية ابناء عشيرته او محافظته فهم مثل بقية الناس؛ فالواسطة ليست مرتبطة مباشرة بجغرافية الموقع، بل بشبكة علاقات ومصالح، والدائرة الاولى للمسؤول.

وهنا نتحدث عن الواسطة المؤثرة، وليست تلك التي تعين حارسا في مدرسة، كما تشير إلى ذلك التجارب والمسيرة الطويلة. فهنالك مناطق ومحافظات جاء منها عدد كبير من رؤساء الوزارات، لكنها بقيت رغم ذلك تحتاج حتى الان الى ادنى الخدمات، وبعضها يحتضن بؤر الفقر! وهنالك مناطق جاء منها وزراء واعيان ونواب، لكنها لم تحظ منهم حتى بزيارات، ولهذا تزورهم حملات البر وتوزيع اكياس الارز والسكر والزيت.

وبعض المسؤولين ما ان يتسلم المسؤولية حتى يقطع صلاته بالناس، ويغلق الابواب، او يكثر من السكرتيرات ويغيّر ارقام الهواتف، واذا كان في يده منفعة اعطاها لمن يستفيد منهم. ولا يكتشف هؤلاء انهم من هذه المحافظة او تلك الجغرافيا إلا عندما يحالون على التقاعد. ومع ذلك فإن من يسمع اسماء العائلات او العشائر، او التصنيف الجغرافي لطبقات، يعتقد ان الخيرات والحظوة قد وصلت الى مناطق وعشائر وعائلات هؤلاء.

لو كان الامر رفضا للواسطة، او حيادا وانصافا لكل المواطنين ومعاملتهم وفق القانون، لكان هذا هو المراد، بل ومصدر فرح لنا جميعا، لكن المشكلة ان فئات من المسؤولين تمارس الواسطة وتقدم الخدمة ليس لاهالي مناطقهم او لتحسين مستوى الخدمات في محافظاتهم، بل لأنفسهم و"لتزبيط" امورهم، او لخدمة الدائرة الاولى من المعارف ومن لهم مصالح وخدمات.

لا تحسدوا محافظة او جغرافيا او عشيرة اذا جاء منها مسؤول رفيع، فالامر لا يتعدى "الصيت"؛ فحتى قرى هؤلاء قد تخلو من مركز صحي او طريق تصلها بالمدينة.

ولو كان كل مسؤول يتولى موقعا يخدم محافظته وقريته، ويرفع مستوى الخدمة في جغرافيته، لكنا في وضع تنموي مختلف. ولهذا، لا تحسدوا عشيرة منها رئيس حكومة فتعتقدوا ان الفقر طار من منطقته بمشاريع تنموية، فقد لا يراه اهل محافظته الا عند التهنئة في بيت الشعر، ومرة اخرى للسلام عليه عند مغادرته الموقع.

وحتى لو تجاوزنا الواسطة الشخصية، فإن تنمية المناطق التي ينتمي اليها المسؤول امر لا يحدث. وعندما يزور هذا المسؤول قريته او محافظته بعد التقاعد، تجده يتحدث عن الحفر في الطريق، او المدرسة القديمة التي بلا سور او دورة مياه نظيفة، كما قد تجده يستغرب من ان الجمعية الخيرية في بلدته بلا موارد!

لسنا في طور تشجيع المحسوبية، لكن علينا ان لا نظلم اي منطقة او عشيرة او محافظة ونتهمها بالحظوة اذا جاء منها مسؤول كبير، وأن لا نحاسبها على امتيازات الكبار. وكما اشرت، فلو كانت هذه الحظوة لكل جغرافيا منها وزير، لما كان لدينا 22 بؤرة فقر شديد في مناطق يعتقد البعض ان اهلها من "عظام الرقبة"!

رغم ان الواسطة والمحسوبية مرفوضتان، الا انهما مطلوبتان لانصاف مظلوم، واعادة حق لاصحابه، او منع ضياع حق، او لتأمين لقمة خبز لباحث عن عمل في وظيفة صغيرة، او لانصاف مناطق ظلمتها سياسات حكومات. وكل هذا لا يعادل من لا يستحق لقبا وموقعا تنعكس اثاره على حياة الناس ومصالحهم، وفق نقيض القاعدة "الرجل المناسب في المكان المناسب".

بقي ان نقول ان المسؤول المنجز العادل القادر على تقديم شيء يخدم كل الاردنيين، بغض النظر عن الجغرافيا التي ينتمي اليها. وعندما يكون هذا النوع هو الغالب، لا يعاني الناس من ظلم، وبخلاف ذلك لا يعني اي اردني ان يكون المسؤول من عشيرته او محافظته طالما كان يخدم مصالحه الذاتية، ويبحث عن امتيازات، او جاء وفق اسس غير مفهومة.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق