قضاء حر وعادل

تم نشره في الاثنين 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

قبل ساعات من صدور قرار المحكمة بإعدام صدام حسين وعدد ممن معه، اعلن رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، ان الشعب العراقي سيعبر عن فرحته بالحكم، وأن صدام سينال جزاء ما فعله بالشعب العراقي. وهذا اعلان مبكر عن الحكم، افترض فيه المالكي ان الشعب سيعبر عن فرحته به. بينما اعلن موفق الربيعي، مستشار الامن القومي العراقي، اغلاق اربع محافظات، وحظر التجول فيها تحسبا، ليس من الفرح الذي اشار اليه المالكي، بل خوفا من ردود الفعل الغاضبة. كما تم اغلاق مطار بغداد الدولي، وإعلان حالة الطوارئ في الجيش، وإلغاء الاجازات.

لن نتحدث عن شرعية المحاكمة التي تتم في ظل الاحتلال، وسنفرض ان هذه المحكمة قضاء حر نزيه، وأن صدام ومن معه يستحقون ما صدر بحقهم من احكام، وأن قضية الدجيل، ومن بعدها الانفال، هما سجل اجرام بحق النظام السابق؛ لكننا ايضا نرى للشعب العراقي حقا في عمل دؤوب من غير اتباع الدجيل والانفال، وهم العراقيون الذين قتل منهم منذ بداية العدوان والاحتلال اكثر من 600 ألف عراقي على ايدي قوات الاحتلال، او الميليشيات الطائفية، او فرق الموت، او الحملات المشتركة بين الجيش العراقي والجيش الاميركي.

سنسلم للمحكمة بأنها قضاء عادل ونزيه، لكن هل ستكون القضية الثالثة، بعد الدجيل والانفال، حول المجازر التي ذهب ضحيتها عشرات ومئات العراقيين في الفلوجة عبر اكثر من اجتياح، او غيرها من المدن والقرى العراقية؟ وتقديم لائحة اتهام بحق المسؤولين عن المسلسل اليومي من عمليات القتل الطائفي تحت عنوان الجثث المجهولة، او تصفية العلماء والأكاديميين، او التهجير لعشرات آلاف الأسر لأسباب طائفية؟

اذا كان الشعب العراقي لم يعانِ منذ حوالي 30 عاما في الدجيل والانفال فقط، فهو شعب مترف؛ وإذا كان أوصال العدل ستنتشر في العراق، فيختفي القتل والقتلة بقتل وإعدام وسجن رجالات الحكم السابق، فهذه مناسبة انسانية يجب ان يحتفل بها العالم؛ فالموت رحل عن العراقيين برحيل النظام السابق، والأمن يعم كل المدن والشوارع، والجيش الأميركي، ومعه الجيش العراقي والميليشيات الطائفية، توزع الورود في الشوارع والقرى والمدن.

ليخرج العالم فرحا، إذ اختفى القمع والاجرام والدم من العراق، والقضاء العراقي الحر اغلق كل ملفات المجازر؛ فالبيوت لا تقصف بالطائرات في بعض المحافظات، والفتيات الصغيرات لا يصلهن الاغتصاب، والتجويع والحصار لغة نسيها العراقيون، وليس هناك 100 ارملة جديدة في كل يوم في العراق بسبب القتل حسب الاحصاءات الحكومية، ولم يفقد مئات الآلاف آباءهم وأمهاتهم.

المشكلة الاساسية ليست في ان يموت صدام حسين او أن يبقى في السجن او ان يخرج منه، بل إن القضية الاساسية هي الشعب العراقي الذي ادخلته اميركا، عبر الاحتلال، سجنا كبيرا، مكتظا بالمكيروفونات وشركات الأمن الخاصة لأتباعها فيما يسمى "المنطقة الخضراء"، وأصبح الخبر الصباحي عن العراق خبر قتل وضحايا.

اذا كان عقاب صدام ومن معه هو نهاية القتل في العراق، فعلينا جميعا أن نفرح، اما اذا كان الامر ثأرا من دولة ثورية مجاورة، او ورقة انتخابية لبوش الذي يعاني جيشه في العراق، او تغطية على فشل الحكم الجديد في تأمين نفسه وإنشاء دولة، فإن موت رجال النظام السابق او سجنهم ليس اهم من احتلال العراق، وتدمير هذه الدولة العربية وهدر هويتها، وهدر دماء كل ابنائها.

[email protected]

التعليق