النمو الأوروبي والمتشائمون المضللون

تم نشره في السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

بلغ التشاؤم في أوروبا فيما يتصل بالاقتصاد، حداً من العمق جعل الناس تتوقع السوء في الغد كلما تحسن الاقتصاد اليوم! كان هذا العام ممتازاً بالنسبة للنمو الاقتصادي في أوروبا، لكن بدلاً من الظن أن القوة الدافعة التي تراكمت في العام 2006 سوف تستمر، لتجعل من العام 2007 عاماً أفضل، راح خبراء أوروبا المتشائمون يتكهنون بتباطؤ اقتصادي ملموس. ويبدو الأمر وكأنهم على اقتناع تام بأن أوروبا لا يمكن أن تشهد عامين طيبين على التوالي.

مما لا شك فيه أن كل عام يواجه تحديات نمو خاصة به، ولن يكون العام 2007 استثناءً على هذه القاعدة. والحقيقة أن ما يحفز -أو يخيف- المتشائمين فيما يتصل بالنمو، هو على وجه التحديد (1) ارتفاع أسعار الفائدة الأوروبية؛ (2) تباطؤ اقتصاد الولايات المتحدة؛ و(3) ارتفاع الضريبة الألمانية على القيمة المضافة، من 16% إلى 19%، في بداية العام.

لكنهم على خطأ في خشيتهم من هذه العوامل. ذلك أن الخوف بشأن التأثيرات السلبية على النمو بسبب زيادة البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة خلال العام 2006، يستند إلى الخلط بين أسعار الفائدة الحقيقية والاسمية. فبحلول نهاية العام، ستكون أسعار الفائدة الأوروبية قد ارتفعت بواقع 150 نقطة أساسية (لتصبح 3.5% بعد أن كانت 2% في شهر كانون الثاني)، إلا أن التضخم الأوروبي ينمو بنفس المعدل تقريباً. وهذا يعني أن أسعار الفائدة الحقيقية -أسعار الفائدة قياساً إلى أسعار السلع والخدمات- قد ظلت كما هي. كما أن سعر الفائدة الحقيقي هو الذي يؤثر على النمو الاقتصادي، وليس سعر النقود.

يتعين على أوروبا أن تسأل نفسها: كيف لأسعار الفائدة أن تُحدث تباطؤاً في النمو في العام 2007 بينما لم تتزحزح أسعار الفائدة الحقيقة تقريباً، على الرغم من الصحة الاقتصادية التي شهدها العام 2006؟ إضافة إلى ذلك، وبسبب ارتفاع الأرباح في أوروبا، فإن الزيادات المرجحة في أسعار الفائدة الحقيقية في المستقبل، والمطلوبة لضمان استقرار الأسعار، يمكن تمويلها بسهولة من الأرباح من دون حدوث أزمة اقتصادية. والحقيقة أن أسعار الفائدة في أوروبا، سواء الاسمية أو الحقيقية، منخفضة أكثر مما ينبغي، وليست مرتفعة أكثر مما ينبغي كما يتصور البعض.

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى الهبوط الحاد في أسعار الوقود -التي انحدرت بنسبة 25% في غضون شهر واحد تقريباً- إلى زيادة ثقة المستهلك ومعدلات إنفاقه، في الوقت الذي كان من المفترض فيه تراجع المستهلكين تراجعاً كاملاً بسبب الهبوط الذي تشهده أسواق الإسكان. فضلاً عن ذلك، فقد أكد رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي السابق، ألان جرينسبان، أن عملية تصحيح سوق الإسكان تكاد تكون قد اقتربت من نهايتها.

إن المتشائمين الأوروبيين متخلفون عن المنحنى. فهم يستعدون الآن لتباطؤ في النمو في الولايات المتحدة، وهو التباطؤ الذي بدأ يحدث بالفعل، وجاء مصحوباً بعواقب بسيطة بالنسبة لاقتصاد كل من الولايات المتحدة وأوروبا. ومن المؤكد أن أسعار الوقود تشهد هبوطاً في أوروبا أيضاً، وهذا من شأنه أن يساعد في تسويغ الزيادة المثيرة للجدل في ضريبة القيمة المضافة التي صممتها مستشارة ألمانيا آنجيلا ميركيل. لقد كان الحظ حليفاً للمستشارة الألمانية؛ ذلك أن هبوط أسعار الوقود، والأرباح المرتفعة التي تحققها ألمانيا، من العوامل التي سوف تساعد في "تمويل" الزيادة الضريبية، والتي سيثبت أنها كانت بمثابة مطب اصطناعي لم يسفر إلا عن تهدئة سرعة الاقتصاد الألماني، على الأقل إذا ما استمرت أسعار الوقود على انخفاضها خلال العام القادم.

والحقيقة أن الحكومة الألمانية بدأت تدرك ببطء أن تشاؤمها بشأن الاقتصاد كان في غير محله، وهو ما انعكس في مراجعاتها ورفعها للتكهنات الخاصة بالنمو طيلة العام 2006. فمؤخراً، رفعت الحكومة توقعات النمو لهذا العام والعام التالي، من 1.6% إلى 2.3% للعام 2006، ومن 1% إلى 1.4% للعام 2007. ولننتظر المزيد من المراجعات ورفع التوقعات كلما فوجئت الحكومة الألمانية بالقوة المتزايدة التي يشهدها الاقتصاد.

من بين النتائج الثانوية المهمة للنمو الطيب الذي تشهده أوروبا أنه يجعل من الحاجة إلى الإصلاح البنيوي ضرورة ملحة. ذلك أن الافتقار إلى الإصلاح البنيوي لأسواق العمالة الأوروبية، والممارسات التنافسية، وما إلى ذلك، يعني أن النمو الاقتصادي الأوروبي المحتمل (سقف النمو) أكثر انخفاضاً مما ينبغي. فبوجود سقف منخفض للنمو، يؤدي الأداء الاقتصادي القوي إلى توليد ضغوط مرتبطة بالتضخم في مرحلة مبكرة نسبياً من مراحل النمو. وهذا بدوره يجعل من الصعب على أوروبا أن تستمتع بفترة ممتدة من النمو القوي من دون حدوث تضخم.

والضغوط المرتبطة بالتضخم، التي تحدث قبل الأوان، تشكل السبب الرئيس الذي دفع رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق، الراحل ويم دوسينبيرغ، كما يدفع رئيسه الحالي جون كلود تريشيه، إلى المطالبة المستمرة بالإصلاح البنيوي في مؤتمراتهما الصحافية وخطاباتهما. والحقيقة أن البنك المركزي الأوروبي هو في المقام الأول الجهة التي يتعين عليها أن تقاوم التضخم الناتج عن افتقار أوروبا إلى الإصلاح البنيوي.

قد يكون المتشائمون على حق إذا ما توجسوا خيفة بشأن التوقعات الأوروبية فيما يتصل بالإصلاح البنيوي اللازم لرفع سقف النمو، والعجيب أن ساسة أوروبا يرفضون ببساطة أن يحتلوا مركز الريادة في التصدي لهذه القضية شديدة الأهمية. إلا أن المتشائمين مخطئون على أي حال فيما يتصل بقدرة أوروبا على بلوغ سقف النمو المقيد حتى الآن. إذ كان النمو الاقتصادي الحقيقي الذي شهدته أوروبا طيباً إلى حد كبير، بفضل هبوط أسعار الوقود، وانخفاض أسعار الفائدة الحقيقة، وثبات الأرباح، والزخم القوي الذي يدفع عملية النمو. والموقف الآن يَـعِـد بالمزيد من التحسن قبل أن يصل النمو إلى سقفه، فتبدأ الضغوط المرتبطة بالتضخم في العمل.

قد يعتبرني البعض متفائلاً، إلا أنني أرى أن أوروبا تبدو مستعدة لعام جديد من النمو القوي في 2007.

ميلفين كراوس كبير زملاء لدى مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2006.

التعليق