ظاهرة عدنان أبوعودة

تم نشره في السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

أربع ملاحظات على السيد عدنان أبوعودة: أولا، إن أبوعودة ظاهرة ملفتة للنظر؛ فهو أحد رموز حقبة مهمة من تاريخ الأردن، تم فيها مصادرة الحريات العامة، وقمع الصوت المعارض، ولم تشهد الساحة الأردنية خلالها أي سياسي امتلك الجرأة على معارضة السياسة العامة من دون أن يتم إقصاؤه.

والحقيقة أن السيد أبوعودة كان من أقرب الناس الى جلالة الملك الراحل الحسين، ولا شك أنه كان له تأثير ما على السياسة العامة. والملفت أن أبوعودة، وبعد خروجه من الحكم وتحرره من مسؤولية السلطة، يجري مراجعات مهمة لما يعتبره أخطاء حصلت في الفترة التي كان فيها مستشارا للملك. وهو بذلك يقدم مثالا يحتذى؛ إذ قلما نجد مسؤولا أردنيا يخرج من الحكم ويكتب كتابا يبين فيه مواقفه من السياسات العامة، كما يجري في الدول المتقدمة، وخير دليل على ذلك الانتقادات القاسية التي يوجهها كولن باول للإدارة الاميركية للفترة التي كان فيها وزيرا للخارجية.

وأجزم أن كثيرا من السياسات العامة لم تعجب أبوعودة، وكان يعبر عن رأيه فيها بحضور جلالة الملك، وإلا لما كان مستشارا. لكنه كان أيضا، شأنه في ذلك شأن أي وزير، يتحمل جزءا من مسؤولية عن المرحلة السابقة، دون أعذار.

وأذكر حديثا مع صديق لي عن نفس الموضوع، قال لي خلاله: "إذا كانت سياسة الدولة تجاه المواطنين من أصل فلسطيني خاطئة استرتيجيا، فما مبرر بقاء معارض لها 25 سنة في الحكم؟!". أعتقد ان هذا السؤال شرعي، ولم يقنعنا السيد أبوعودة بطول مدة خدمته (وما فيها من مكاسب وامتيازات جمة)، كما بجدية معارضته للسياسات التي كان يساهم في صياغتها. ومهما حاول المؤرخون اعادة كتابة تاريخ الأردن، سيبقى أبوعودة وزير اعلام في سنة 1970، بحلوها ومرها. وهذا ليس ضده، بل هو سرد لحقيقة تاريخية، لن تغير اعادة تركيب المرحلة دوره.

الملاحظة الثانية هي ان الهجوم على السيد أبوعودة بهذه الشراسة غير مبرر؛ إذ إن له حق التعبير عما يعتقد بأنه صحيح، بصرف النظر عن جدية طرحه أو مصداقيته. ومن غير المناسب ان "يجرجر" الرجل الى محاكم لأنه ادلى برأي وتكلم عن موقف، قد يكون حصل بالفعل.

وقد شاهدت المقابلة، ولا أعرف أين إطالة اللسان على جلالة الملك. والغريب ان الدولة لا ترى في حديث ابوعودة إساءة، والا لتصرفت، وانما جاءت الشكوى من مجموعة من المواطنين الذين -مع احترامنا لهم- يؤدي تصرفهم إلى تكميم الأفواه، ومنع اجراء نقاش صحي وحوار وطني نتغلب به على النعرات الاقليمية الموجودة في الواقع. ويقودني هذا إلى الترحم على التسامح مع الرأي الآخر، حتى داخل مؤسسات تقمع موظفيها إذا ما تبنوا آراء سياسية، ومواقف تخالف تعاليم المديرين المتسلطين.

الملاحظة الثالثة، هي أن أبو عودة لم يأت بجديد، وهو ليس الأول في الاردن الذي يتناول هذه المواضيع. وكلنا نعرف ان النخب الأردنية، في لقاءاتها الخاصة والعامة، تتكلم عما يعتبره بعضها "سياسة إقصاء"، وعلينا التمييز بين من يريد الحديث عن هذا الموضوع لتأطير الناس، وخلق نعرات، وبين من يريد بالأردن خيرا، لأنه يرى تحصين الجبهة الداخلية خط دفاع عن الاردن، وإن هذا الخط لا يمكن أن يكون خطا قويا ومتماسكا اذا ما تم اقصاء عدد كبير من السكان.

هنا لا اتكلم عن فئة معينة، فسياسة الاقصاء، ان وجدت، تكون عابرة للفئات، ويعاني منها مختلف الناس. ونحن بحاجة الى توسيع النقاش للحديث عن الاقصاء الاقتصادي الذي تمارسه نخب تنادي بمعالجة الاقصاء السياسي؛ بمعنى آخر يجب ان يتكون هناك مقاربة شاملة تعالج مختلف انواع المظالم، وليس مقاربة انتقائية.

الملاحظة الأخيرة موجهة للنخب التي تتبنى مقاربة سياسية مهمة، لكنها استفزازية، ومبنية على ما يرونه انتصارا لفئة معينة، وليس انتصارا للأردن التعددي القوي المتماسك، الذي يستند إلى المواطنة كمعيار للتعامل مع الجميع بشكل متساو. وباختصار، فإن المقاربة المبنية على التمييز الإقليمي هي أكثر خطورة من الوضع الراهن. فهناك سياق إقليمي مهم يجب ان يؤخذ بالاعتبار، ويجب ان نعرف بأن جيراننا ليسوا الدول الاسكندنافية!

هناك رأي في الأردن مفاده أنه إذا كان السيد أبوعودة من ضمن من حكموا في الأردن لمدة طويلة (في فترة الاحكام العرفية)، ويتكلم عن الأردن ونظامه "بشكل استفزازي"،فأين هي الوحدة الوطنية؟! هذا الرأي فيه تشدد، لكنه يعبر عن قلق موجود. ومع ذلك، فالمطلوب إجراء حوارات وطنية مهمة، يشترك فيها الجميع، لأن قادم الأيام قد لا يعطينا الفسحة الحالية.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق