80 % من الاردن!

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

وفق التعريف العلمي او الاصطلاحي، فإن البادية هي المناطق الصحراوية والقاحلة وشبه القاحلة، والتي تقل نسبة الامطار الهاطلة فيها عن 200 ملم في السنة. لكن التعريف الاردني للبادية هي انها جزء اصيل من هويته السياسية والاجتماعية. وفيما تشكل البادية حوالي 80% من مساحة المملكة، فإنها ايضا تمثل نسبة كبيرة من الثقافة، وصدق الانتماء، وقوة الارتباط بالدولة ومصالحها.

وخدمة البادية الاردنية وتطويرها لا تعني خدمة اهلها واعطاءهم حقهم من التنمية والاهتمام فحسب، بل تعني خدمة الاردن ككل. والسؤال الذي يتم البحث عن اجابته في اوساط الجهات الرسمية المعنية بتطوير البادية: كيف يمكن العمل للاردن بكل تفاصيله الجغرافية والسكانية، من خلال الاستفادة من امكانات البادية؟ وهذا السؤال يجعل من عملية تنمية البادية جهدا وطنيا شموليا، وليس مشروعا لخدمة قطعة من ارض الدولة وسكانها؟

ولعل في احد المشاريع التي تم تنفيذها في منطقة "جدلة"، على الحدود الاردنية-السورية، مثالا على جدوى تنمية البادية وضرورتها؛ ففي هذه المنطقة تم انشاء احد مشاريع الحصاد المائي، لتتحول المنطقة الى منطقة خضراء، ومحمية رعوية. ومثلها مشروع سد "برقع"، حيث تم الحصول على 20 مليون متر مكعب من الماء. وهذه الارقام ليست فلكية، بل واقعية، لأن كميات المياه التي تتدفق عبر الحدود في الصحراء كبيرة جدا.

البادية الاردنية ليست مسلسلات غير موضوعية احيانا، تكثر فيها المؤامرات، وصب القهوة، والنزاع على "المزيونة" بنت الشيخ التي تربط موافقتها على العريس بحل لغز من الشعر؛ البادية مناطق لها سكان واهل، لهم بدورهم حق على دولتهم، وعلى القطاع الخاص، والاعلام، ومؤسسات المجتمع المدني. ففي البادية مناطق اهملتها الحكومات حتى وصلت نسبة الفقر في بعضها الى حوالي 74%، مثل الرويشد! وفي البادية ايضا مناطق وقرى لم يسمع بها الاردنيون الا في القرن الحادي والعشرين، منها ما عرفتها الحكومات بعد ان زارها جلالة الملك، وتحديدا في مناطق وادي عربة! كذلك، في البادية كفاءات ورجال اعطوا دولتهم وقيادتهم وشعبهم ما عليهم من واجب الصدق والعمل.

ومؤخرا، صدر قانون دائم للصندوق الهاشمي لتنمية البادية الاردنية، والذي يهدف الى تحقيق تنمية شاملة في مختلف مناطق البادية، وتحسين مستوى معيشة ابنائها، واستثمار قدراتهم. لكن ما لم يتحدث عنه القانون هو الدور الذي يجب ان يقوم به الصندوق لتحويل البادية الى مناطق مؤثرة في الاقتصاد الاردني.

تنمية البادية، وتطوير مستوى معيشة ابنائها، ليسا بالامر السهل؛ فهي -كما اشرت- تضم 80% من مساحة الاردن، وفيها ثلاثة اقاليم، هي: بادية الشمال، ومساحتها 26 ألف كيلو متر مربع؛ وبادية الوسط، وتبلغ مساحتها 10 آلاف كيلو متر مربع؛ والبادية الجنوبية التي تبلغ مساحتها 38 ألف كيلو متر مربع. وقد دخل هذه البادية اصحاب المال بمزارعهم التي لم تدخل ثمارها الى بيوت سكان تلك المناطق، ولم تنعكس اثارها على شكل تلك المناطق! كما دخلت البادية استثمارات اعتبر بعض اصحابها ان تشغيل عدد من ابناء البادية فضل وكرم، ونسي هؤلاء انهم يعملون على حساب ماء الدولة، وبأسعار عرف الناس بعد عقود انها اقل من رمزية!

ليس الطموح ان تتحول المريغة والرويشد والموقر والجفر الى مناطق مأهولة بالتنمية والسكان وفرص العمل مثل عمان والزرقاء، لكن الحد الادنى هو ان تُعطى تلك المناطق حقها في الرعاية والاهتمام الحقيقيين. وربما يكون الصندوق الهاشمي خطوة لتحقيق ذلك، لكننا نتحدث عن صندوق موازنته السنوية من الخزينة لا تزيد عن نصف مليون دينار؛ وهذه الآلاف قد لا تكفي لانشاء طريق في عمان. ومن ثم، فإن المفترض او المأمول هو ان يكون الصندوق عنوانا لتنمية البادية، اما التفاصيل والتطور والتوسع فهي واجب الحكومات، والقطاع الخاص الذي يمكنه ان يمارس عملا استثماريا ووطنيا في آن.

قد لا يكون ايجابيا ان نضع اولى خطوات التنمية المؤسسية للبادية بعد اكثر من ثمانين عاما على انشاء الاردن، لكن نتمنى ان لا نحتاج الى عقود اخرى حتى يلمس اهل البادية نتائج هذه الخطوات. وكما يقال، فأن تأتي متأخرا خير من ان لا تأتي أبدا؛ لكن المجيء المتأخر بلا انجازات ملموسة وجهد موجه قد لا يكون افضل بكثير من عدم المجيء.

[email protected]

التعليق