المخاطر المترتبة على ضرب إيران

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

في شتاء 2002-2003 كان أصحاب الأصوات المنادية بتغيير النظام في العراق مبتهجين بتصورهم لمرحلة ما بعد الغزو. وآنذاك كان كل من يقترح سيناريو مشابه لما يحدث اليوم في العراق يعرض نفسه للانتقادات الحادة والاتهام بأنه مناصر لصدّام ومناهض لأميركا. إلا أن التقييم الواقعي الرصين للمصاعب المنتظرة كان من شأنه أن يساعد في تجنب الوقوع في العديد من الأخطاء التي تبين لنا جميعاً مدى فداحتها وما ترتب عليها من خسائر في أرواح الأميركيين ومواردهم ـ ناهيك عن المعاناة التي تكبدها الشعب العراقي.

والآن هناك بعض الأصوات في الولايات المتحدة وأماكن أخرى تنادي بالقيام بعمل عسكري ضد إيران. لذا فمن المنطقي الآن أن نطرح هذين التساؤلين: ما هي السيناريوهات الواقعية للعواقب المترتبة على مثل هذا التدخل؟ وهل هناك أية خطط فيما يتصل بكيفية التعامل مع الموقف بعد توجيه الضربة؟

مما لا شك فيه أن هؤلاء الراغبين في توجيه الضربة - سواء كانوا فرادى أو في إطار تحالف- لديهم نطاق من الخيارات، يتراوح ما بين الحصار البحري والجوي، إلى شن غارات جوية موجهة، أو تنفيذ أعمال تخريب داخل إيران، أو شن هجوم شامل من الخارج. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن الإيرانيين أيضاً لديهم أوراق يجيدون اللعب بها، بعضها يمكن التكهن به، وبعضها قد لا ندري عنه شيئاً.

فقد يلجأ الإيرانيون إلى القسوة والعدوانية في العراق وأفغانستان. وقد يبادر حزب الله الذي تسانده إيران وسورية إلى تجديد أعماله العدائية. وقد تتلقى الجماعات الإرهابية، سواء القديمة منها أو المؤلفة حديثاً، تمويلات جديدة ومتطوعين جددا. ولا نستطيع أن نستبعد أي مواجهة عسكرية مباشرة في الخليج ومضيق هرمز، الذي يمر عبره 40% من النفط المتداول على مستوى العالم. ونتيجة لمثل هذه المواجهة فلسوف ترتفع أسعار النفط إلى عنان السماء.

يزعم بعض المحللين أن الآثار السلبية المترتبة على مثل هذه النتيجة لن تدوم إلا "لشهور". فهم يرون أنه بمجرد تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وبرنامجها النووي فلن يشكل الإيرانيون أي تهديد. ولكن أياً كان ما سيحدث فيبدو من الواضح أن الإيرانيين سوف يخوضون حرباً غير متوازنة، ليس فقط على أراضيهم، بل وأيضاً في المنطقة المجاورة، ولسوف تستمر هذه الحرب لأعوام. وكما تبين لنا من ورطة العراق فإن "الشهور" قد تطول كثيراً في الشرق الأوسط.

لا أريد أن أقول إن شراسة ردة الفعل الإيرانية إزاء الهجوم العسكري تعني أننا ينبغي أن نسمح للحكومة الإيرانية بأن تفعل ما تشاء. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فلابد وأن يكون المجتمع الدولي مستعداً لفرض قواعد صارمة مقدسة للتعايش السلمي، وقد يتضمن هذا في بعض الأحيان اللجوء إلى استخدام القوة. ولكن في هذا العالم المترابط الذي يعتمد كل جزء منه على الآخر، فإن اللجوء إلى القوة لا ينبغي أن يكون نتيجة لحسابات سياسية وطنية. بل لابد وأن يكون قرار كهذا نتاجاً لأكبر قدر من الإجماع بعد تقييم دقيق للتهديد.

كانت الحرب ضد العراق في العام 1991 مثالاً رائداً للتدخل العسكري القائم على إجماع دولي. وإذا لم يكن في الإمكان التوصل إلى مثل هذا الإجماع، فلابد على الأقل أن تتفق القوى الغربية والدول ذات التوجهات المماثلة لها، كما حدث في كوسوفو عام 1999 على سبيل المثال. أما الاحتمال الثالث - أن يلقى العمل العسكري التأييد من قـبَل مجموعة صغيرة من الدول- فلابد من تجنبه، لأسباب عملية، وقانونية، وأخلاقية. إن فعالية التحرك الخارجي اليوم ترتبط على نحو لا ينفصم بمدى شرعية ذلك التحرك.

وحين يتصل الأمر باتخاذ القرار بشأن كيفية التعامل مع إيران، فلابد وأن تضع الولايات المتحدة وحلفاؤها نصب أعينهم المبادئ التالية: أولاً، لابد من التقييم الدقيق للتهديد. فبعد الدروس المستفادة من قرار غزو العراق، أصبح لزاماً على الأنظمة الديمقراطية ألا تسمح للهواجس الشخصية، والأوهام، والعقائد أن تلوث عملية صناعة السياسة الخارجية. ومن الضروري أن نميز بين ما نعرفه وما ينبغي علينا أن نعرفه - وما نود أن يحدثنا الإيرانيون به- وبين التخمين والرجم بالغيب. وإن أجراس الخطر التي تشير إلى أن الوقت قد حان لاتخاذ الإجراءات المناسبة، لابد وأن تقرع في اللحظة المناسبة وليس قبل ذلك.

ثانياً، ما دمنا لم نستكشف خرقاً خطيراً للقانون الدولي، فلابد وأن تستمر المفاوضات مع إيران. فإيران من الأطراف المشاركة في معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ولقد أعلنت مراراً وتكراراً أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط. كما أن الدخول في محادثات مع إيران لا يعني بالضرورة أننا نصدق أو نكذب هذه التصريحات. بل إن هذا يشكل سبيلاً للتوصل إلى فهم أفضل لوجهة نظر الإيرانيين.

والمفاوضات مفيدة أيضاً لأنها سوف تؤدي إلى تعزيز الحوار الداخلي في إيران. وبينما قد يؤدي قطع الاتصالات بالكامل إلى المزيد من التعصب والتطرف، فإن المفاوضات وما يصاحبها من احتمالات التوصل إلى تسوية مستقبلية من شأنها أن تعزز من نفوذ المعتدلين. ومن منظور تاريخي نستطيع أن نؤكد أن الافتقار إلى المفاوضات اللائقة كان هداماً فيما يتصل بقضية كوريا الشمالية.

ثالثاً، لا ينبغي لنا أن نستبعد فرض العقوبات، إلا أن هذه العقوبات لابد وأن تفسر باعتبارها وسيلة ضغط وليس مجرد مقدمة للحرب. كان خافيير سولانا كبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، والذي أدار مفاوضات مطولة مع إيران، قد أشار بحكمة إلى أنه حتى في حالة موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على فرض عقوبات ضد إيران، فإن باب المفاوضات سوف يظل مفتوحاً على الدوام. وبطبيعة الحال، ينطبق نفس الشيء على العقوبات التي تفرضها القوى الغربية من تلقاء نفسها.

أخيراً، لابد وأن نتذكر أن التعامل مع الشرق الأوسط، وليس إيران فحسب، يتطلب توجهاً منفتحاً وجديداً وشاملاً. ولابد من مشاركة كافة الجهات الفاعلة الإقليمية والمحلية. ولابد من استكشاف سبل جديدة. كما يتعين على الإدارة في الولايات المتحدة أن تدرك أن السياسة الخارجية ليست سياسة أمنية، وأن القوى العسكرية ليست عصا سحرية.

مارتين أورتيجا كبير زملاء بحث في معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي في باريس، وهو رئيس تحرير مجلة "الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة"، ومؤلف كتاب "العولمة:السياسة العالمية في القرن الواحد والعشرين".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق