د.باسم الطويسي

الأردن بين حروب المياه وتسوياتها

تم نشره في الخميس 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

لو ان واحدا من تحديات التنمية الوطنية وقضاياها المستوطنة يستحوذ في يوم ما الاهتمام والأولوية التي تحتلها مماحكات السياسة اليومية في عمان من قبيل حمى انتظار التغيير الحكومي أو ترقب التعديل الوزاري، لو ان النقاش الوطني يرتقي لمستوى حجم التحديات التي تواجهها البلاد والأخرى التي تنتظرها لتحقيق الحد الأدنى من المشاركة البديلة في مواجهة مصادر التهديد وخدمة المصالح الوطنية. فالحقيقة ان سمات التفاعلات الحوارية المحلية تشير بدلالات واضحة لحقيقة افتقاد البلاد للمجال العام السياسي والاجتماعي، أي المجال الذي تتكون فيه الأفكار الكبرى ويشكل الإطار الموضوعي المعنوي لحماية البلاد والدفاع عن مصالحها من خلال رصد حراك الكتلة الحيوية للدولة ومصادر تهديدها والفرص المتاحة أمامها بشكل دائم ونابه، وفق معطيات البيئتين الداخلية والخارجية.

لعل موضوع تحدي ندرة المياه في الأردن، الذي تكرر حوله كلام قديم منذ زمن طويل، يشكل احد أهم مصادر تهديد الحياة قبل الدولة، ويعد احد الأمثلة الدالة على افتقاد المجال العام لآليات التنبه والاستشعار والمراقبة لمعطيات البيئتين المحلية والإقليمية المحيطة وتطوراتها وانعكاساتها على مصادر التهديد الوطنية المزمنة والمستوطنة، وتلك التي يمكن ان تتحول خلال فترة وجيزة إلى قلق مصيري خانق.

ويزداد الأمر خطورة مع استمرار افتقاد الحكومات لرؤية واضحة وعميقة لمصادر التهديد وتقديرها للموقف في ضوء الانشغال الدائم بالسياسة اليومية، وهو الواقع الذي أعاق تطوير بدائل وطنية ذات سمة استراتيجية تواجه الاختلالات السائدة في الموارد التنموية.

شهدت الشهور والأسابيع الماضية عودة لرواية الصراع حول المياه في المنطقة ومكانتها في أي تسويات قادمة، حيث طرحت دوليا وإقليميا أسئلة جديدة حول علاقة أزمات المنطقة وحروبها بتحديات الموارد وعلى رأسها ندرة المياه ومن أمثلة ذلك؛ علاقة حرب الثلاثة والثلاثين يوما على لبنان بموضوع المياه، وعلاقة الموضوع نفسه بتعثر مسارات التسوية السياسية، وتردد إسرائيل وتراجعها عن الكثير من التفاهمات ذات الصلة بموارد مائية، كما يحدث بشأن المنطقة الفاصلة بين بيت لحم والخليل وغور الأردن والتي تشكل 2% من مساحة الضفة الغربية، وسبق التفاهم حولها في اتفاق (واي ريفر) واتفاق شرم الشيخ، ثم تراجعت إسرائيل، وباتت تطالب بتعديل الخرائط في أي اتفاق جديد لضمان استمرار سيطرتها على مصادر المياه الجوفية كافة بما فيها غور الأردن، ما يفسر تراجع إسرائيل عن اتفاقات اخرى مع الأردن والسلطة الفلسطينية بما فيها أفكار عن مشاريع مشتركة حول المياه والتنمية، حيث اعتدنا محليا إحالة تعثر هذه المشاريع لعدم وجود وفاق وطني حولها.

يمتد توتر الخلافات المائية ليشكل الخلفية الحقيقية لصراعات إقليمية محيطة قائمة بالفعل وأخرى منتظرة، منها ما يرتبط بالعلاقات التركية- السورية والعلاقات التركية- العراقية والعلاقات الإيرانية– العراقية، وآخرها ما حدث في شهر آب الماضي حينما وضعت تركيا حجر الأساس لمشروع سد جديد (ليسو) على نهر دجلة، بالقرب من الحدود التركية مع كل من سورية والعراق، بكلفة تصل إلى مليار ومائتي مليون دولار، وعلى مسافة 50 كلم فقط من الحدود مع الدولتين، حيث سيؤثر هذا المشروع بشكل كبير على الحصص المائية لكل من سورية والعراق من مياه نهر دجلة.

يضاف المشروع التركي الجديد إلى سلسلة المشاريع المائية التركية على نهري دجلة والفرات التي تعرف بمشاريع الغاب، وتهدف إلى إنشاء 22 سدا، وحسب د. حامد الدباغ، رئيس جامعة المستنصرية العراقية السابق،  فان سيطرة تركيا على هذه الكميات الكبيرة من مياه نهري دجلة والفرات لن يعرض البلدين للتهديد فحسب، بل يعرض البلدين لخطر الجفاف والكوارث أيضا، وسبق ان وصلت تهديدات المشاريع المائية التركية إلى التهديد بالحروب بين هذه الدول، حيث ما تزال تركيا تصر على تسمية مياه دجلة والفرات في كل من سورية والعراق (المياه التركية وراء الحدود)، ويزداد وقع هذه التهديدات مع بروز إمكانية ظهور دولة كردية جديدة في شمال العراق، وتحسب تركيا حساب هذا الأمر الذي تعده مصدر تهديد لأمنها القومي بخلق وقائع جديدة على الجانبين الكردي العراقي والكردي التركي، حيث يشهد الجانب الأخير عمليات تهجير لقرى كردية بأكملها بفعل مشاريع المياه الجديدة.

ومع ازدياد المواقف تعقيداً على شواطئ الأنهار الشرقية تزداد احتمالات الأزمات والصراعات التي قد لا تبرز على شكل حروب مياه مباشرة، إلى جانب ان هذا الموقف المعقد يزيد من توتر العلاقات في مصفوفة لا تنتهي من الدول والقضايا والمصالح المتناقضة.

أغلب حروب العرب مع إسرائيل كانت جذورها حول المياه وعلى رأسها حرب 1967 التي جاءت لاعتراض المشروع العربي الذي أقرته قمة الإسكندرية بتحويل مياه نهر الأردن، ولبسط سيطرة إسرائيل على اكبر قدر ممكن من منابع المياه الجارية والجوفية، وتكرر الأمر في حرب 1982 في احتلال الجنوب اللبناني الذي هدف إلى نهب واستنزاف مياه نهري الليطاني والوزاني، وجاء حضور قضية المياه في طليعة اولويات مسارات التسوية العربية – الإسرائيلية كافة، وتزداد قضية المياه في إسرائيل اليوم تعقيدا مع فشل مشاريع تحلية مياه البحر نظراً لارتفاع كلفتها وتعثر أفكار نقل مياه تركية لإسرائيل.

يبدو ان إسرائيل تقبل بتقديم تنازلات في قضايا عديدة، كما توضح خبرة التفاوض مع الجانب العربي، في سبيل ضمان عدم المساس بمصالحها المائية أو تقديم تنازلات مقابلة بهذا الشأن، وهذا الأمر يطل برأسه مجدداً بشأن مستقبل التفاوض على هضبة الجولان التي تشكل أهمية بالغة في الاستراتيجية المائية الإسرائيلية، حيث أبدت إسرائيل أكثر من مرة استعدادها للانسحاب من الهضبة مع ضمان وجود ترتيبات خاصة وجديدة وتقاسم جديد للمصالح بين إسرائيل وسورية قد يصل إلى حد التفاوض على مستقبل منابع نهر الأردن والمياه الجوفية المشتركة، وهي وقائع تشير إلى مصالح أردنية تحتاج إلى متابعة جدية، في الوقت الذي تتعرض فيه سورية إلى ضغوط حقيقية ومقلقة من الشمال التركي ومن محاولات الهيمنة الاسرائيلة من الجنوب.

في هذا الوقت تحتاج العلاقات المائية الأردنية – السورية إلى المزيد من الوضوح والصبر على بناء فهم مشترك والتقدم نحو شراكات تنموية حقيقية، وليس تفريغ الضغوط والشحنات الخارجية في إشعال نيران عربية لا حاجة لها، وهناك حديث عن خزانات مياه جوفية في جنوب البلاد تستنزف من قبل أطراف إقليمية اخرى.

المنطقة بمجملها تذهب نحو حروب موارد حادة وتسويات تتقدمها المياه مع ازدياد التغير في موازين القوى وظهور قوى إقليمية جديدة تتنازع على قيادة الإقليم، ووسط هذه التحولات يحتاج  الأردن إلى مراجعة حقيقية لإدارة الموارد الوطنية، بل نحتاج إلى التفكير بصوت مرتفع في شروط الحياة فوق هذه الأرض.

basimtwissi@hotmail.com   

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »محق (نضمي النصرات)

    الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    أنت على حق.
  • »مشكلة المشاكل (نجيب مسعود)

    الخميس 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    الاستاذ الطويسي مشكورا على اختيارك لهذا الوضوع الاستراتيجي باعتباره موضوع الساعة في الوقت الحاضر حيث قال الله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".
    في عالم اليوم اصبحت ندرة الموارد مشكلة المشاكل كلها اين سياساتنا العربية منها .
    نجيب مسعود
    بنغازي
    ليبيا
  • »شكرا للطرح الجريء: مقدمة المقال (جبريل هلالات)

    الخميس 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    ما لفت انتباهي حقيقة هو مقدمة المقال; نعم! ليت ان قضايانا الوطنية الاستراتيجية تاخذ ذات الاهتمام في الحوارات اليومية و المنتديات والمؤتمرات المحلية, ليتها تاخذ الاهتمام ذاته عندما يتعلق الموضوع بمصالح شخصية او فئوية او عشائرية... سيدي الكاتب لقد وضعت اصبعك على الجرح. والموضوع لا يتوقف على مشكلة المياه فحسب; فهناك سلسلة من المواضيع الاقتصادية و الاجتماعية و التربوية.
  • »Vital issue (Rula AL nimat)

    الخميس 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    Dear Sir Basim I want to thank you for presenting such vital issue. Absolutely we have to shed light on this issue and give it more attention because it plays an important role in directing the international policy. In addition it causes the majority of conflict in our region. Thanks once again
    Rula Alnimat
    UK