د.باسم الطويسي

كواليس العواصم

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

القوة السياسية والثقافية مثل الطاقة، قابلة للتجدد وليست قابلة للفناء والاستحواذ، وتشكل إحدى ساحات الصراع الخفي في كواليس العواصم. وهذا ما يحدث في علاقة العواصم بصناعة قوة التأثير في الحياة العامة، وتحديدا تلك العواصم التي لم يكتمل طهوها في مطابخ السياسة وتحت نار التاريخ، كما هو حال الأكثرية الغالبة من عواصم بلادنا العربية، التي تحتكر وحدها قوة التأثير وصناعة الرموز والظواهر، ولديها شهية مفرطة نحو التهام سلع الكواليس والعوالم الخفية.

لكل عاصمة كواليسها وغرفها الخلفية التي تدور فيها الأحداث وصناعة قوة التأثير، وتقود أحيانا النقاش العام، وتحاول تحديد اولوياته، وربما تفرض أجندات خاصة عليه. وهذا ما يطلق عليه "صناعة قوة التأثير"، بحيث تبدو هذه القوة للوهلة الأولى غامضة أو مستقلة، وكأنها نتاج شروط موضوعية. وتظهر قوة التأثير على عدة أشكال، منها عالم الاخبار والمعلومات التي تنقل بالتسريب أو بالتواتر، وعلى شكل أوهام أو دعاية رمادية مجهولة المصدر؛ وعالم صناعة الرموز أو مراكز القوى وتجسيدها؛ وعالم إفراز الظواهر السياسية والثقافية والاجتماعية الطارئة.

والقوى الأساسية التي تسيطر على كواليس العواصم، وتخلق قوة التأثير، تأخذ بدورها عدة أشكال، منها ما هو مؤسسي، وما هو جماعي وفئوي أو فردي، لكنها تلتقي جميعا على أهداف مصلحية، تتمثل في الاستحواذ على اكبر قدر من مساحة التأثير، بتمثلها للمعرفة ببواطن الأمور وخفايا المشهد، وما يحدث في الغرف الموصدة والعوالم الجوانية! وتعتمد تكنيك تسريب المعلومات أو تركيبها أو اختلاقها، حسب الطلب أو الحاجة.

وترتبط هذه القوى بعضها ببعض بعلاقات نفعية ريعية، وان بدت في المشهد الظاهر متعارضة أحيانا ولا تلتقي. ومن الأمثلة المتكررة على عالم كواليس العواصم السفارات الأجنبية التي تلتقي مصالحها أو تتقاطع؛ ولكل منها زبائن محليون، بحسب المواسم والطلب والمناخ السائد؛ وتتحدد قوة تأثيرها بحدود قوة النظام السياسي والقيم التي يعتنقها في كل من الدول الممثلة والدول المستضيفة. وما من شك ان سفارات أجنبية في بعض العواصم هي دول مصغرة، والأمر الأكثر شيوعا ان لهذه السفارات شبكات معقدة من العلاقات والصلات التي تجعلها قوة أسياسية في تشكيل المزاج العام، وقيادة النقاش والجدل المحلي.

وقوة التأثير الثانية هي المؤسسات الأمنية المحلية، التي هي بحاجة في اغلب الأوقات إلى إبراز قوة تأثيرها في مجمل الحياة العامة، عبر فرض وصايتها على المؤسسات والقوى المؤثرة الأخرى، وبحيث تنشط هذه القوى الأمنية في خلق خطوط الالتقاء والتقاطع بين قوى التأثير، وتحاول ان تراقب حركتها.

أما القوة الثالثة فهي بعض العاملين في الصحافة ووسائل الإعلام والثقافة، ومختلف وسائل إنتاج القوة الناعمة. وهؤلاء لديهم حساسية عالية على جذب قوة التأثير إليهم، والمساهمة بالتالي في خلق عالم كواليس العواصم. بل إنهم يضفون على هذا العالم نكهة مفعمة بالقصص غير المنتهية، والسيناريوهات الغامضة والمفاجآت، عبر ادعاء عبقرية الحاسة السادسة، وتفردهم بخيال سياسي واجتماعي  يتجاوز كل الحدود. ويزداد تأثير هذه القوة كلما افتقدت بيئة العمل التي تنتمي اليها للصدق المهني.

قوة التأثير الرابعة هي قوة صاعدة في هذا النمط من العواصم والمدن، وتمثل مجتمع الأعمال، من بعض كبار التجار وأرباب الصناعات والمصرفيين وغيرهم، وهم اقل من ان يشكلوا برجوازية وطنية ذات تقاليد وقيم ووظيفة اجتماعية، واكبر بقليل من فئة طفيلية نمت على حواف العواصم. وقد ازداد نفوذهم في كواليس العواصم بشكل واضح مع ازدياد الانفتاح العالمي بعد نهاية الحرب الباردة.

يتشكل عالم كواليس العواصم الخفي والظاهر من دبلوماسيين غرباء، وجواسيس ومخبرين  وصحافيين وكتاب ورجال أعمال وغيرهم، قد تتعارض مصالحهم، إلا ان أدواتهم وغاياتهم تلتقي في حساسيتهم العالية في البحث عن الجديد، والرغبة العارمة في التأثير على مسار الأحداث، إلى جانب دورهم في التصنيف السياسي والاجتماعي، وهي عملية خطيرة في بعض جوانبها، لأنها تؤدي بسهولة إلى التصنيف الفئوي المبالغ فيه، والتعميم والحكم المسبق على الآخرين.

وتملك هذه القوى قدرة كبيرة على تشكيل المزاج العام، والتأثير على الحياة العامة وفي دوائر صنع القرار بالدرجة الأولى. وتعتمد قوة تأثيرها، في المقام الأول، على غياب أدوات ديمقراطية حقيقية لتشكيل رأي عام معافى، تتوفر له عناصر الشفافية والمساءلة والوضوح؛ وفي المقام الثاني على ما يتوفر لهذه العواصم من تقاليد قوية، تجسد روح الحياة العامة وتماسك الجماعة الوطنية. ولعل من المفيد القول ان أي عاصمة تحيا على نبض الإشاعات والرشى السياسية لا تزال في طفولتها السياسية، لم تؤسس بعد المدماك الأول في تقاليد حياة عامة محترمة، قبل التقاليد الديمقراطية.

basim.twissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العواصم و التحالفات الدولية (جبريل هلالات)

    الثلاثاء 31 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    اذا ليس غريبا ان نرى عاصمة سياسية و اخرى اقتصادية لبلد واحد بناء على البعد الرابع الذي تحدث عنه الكاتب. وليس غريبا ان نرى تحالفات دولية تسمى باسماء العواصم التي عقدت فيها تاكيدا لتاثير تلك العاصمة على مجريات الاحداث.
    في عالمنا العربي يمكن وضع التحالفات بناء على مقدار الحراك السياسي الذي تشهده عاصمة في ظرف سياسي ما; فالقاهرة وعمان والرياض اصبحت تشكل تحالفا مؤيدا لقوى الاصلاح و النمط الغربي, فيما تقبع دمشق في حلفها المناهض للغرب مع كل من طهران و كاراكاس, وتتجه طرابلس نحو العمق الافريقي بديلا للعمق العربي غير الموحد و الفاقد للثقل في صناعة القرار العالمي.
    يبقى السؤال: هل يمكن ان نتصور عاصمة عربية تحمل اسم تحالف عربي موحد ومؤثر في صناعة القرار العالمي?? لا اقصد قرارا فيما يخص بيونغ يانغ و لا فيما يخص سريلانكا.... اقصد ما يخص فلسطين والعراق و السودان ... و ربما غير هذه البلدان ان لم يبنى هذا الحلف باسرع ما يمكن.
    و شكرا للاستاذ الطويسي على اثارة هذا الموضوع مع الحاجة للتعمق في طرح الابعاد التي تحدث عنها مع اسقاطات ممكنة على الحال العربي شبه الغائب عن كواليس عواصم صناعة القرار.
  • »agree with you (Naseem Mohammad)

    السبت 28 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    Dear Basim Twissi I agree with you strongly . but there is question Do you think the absence
    Of democracy in the developing countries is behind all that , I agree for all your opinion
    Many thanks
    Naseem Mohammed