مأزق حزب العمل الإسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

 من المفترض ان تقر اللجنة المركزية لحزب العمل الإسرائيلي، التي تضم قرابة 2400 عضو، رسميا، يوم غد الأحد، بقاء الحزب في ائتلاف حكومة إيهود أولمرت، وعدم معارضة ضم العنصري أفيغدور ليبرمان، وحزبه اليمين المتطرف "يسرائيل بيتينو" إلى الحكومة.

وتستبعد الأكثرية الساحقة من المراقبين حدوث أي مفاجأة في هذا الصدد، خاصة بعد أن أعلن رئيس الحزب ووزير الحرب، عمير بيرتس، موافقته على ضم ليبرمان إلى الحكومة مقابل بعض الصلاحيات الجديدة التي منحه إياها أولمرت.

ولكن لو حدثت هذه "المفاجأة"، فرضا، بأن عارضت اللجنة المركزية هذا الأمر، فإن الموقف الصادر عن الأكثرية الساحقة من أعضاء الكتلة النيابية للحزب، من نواب ووزراء، سيسجل عليهم، باعتبارهم انقلبوا، في غضون ساعات، من معارضين إلى مؤيدين لهذه الخطوة.

طوال الأيام القادمة لن تجد، تقريبا، أحدا في إسرائيل يثني على موقف حزب العمل، بل كان هناك شبه أجواء إجماع بأن الحزب تحول إلى "خرقة السياسة الإسرائيلية"، حسب وصف نائب من الحزب نفسه هو البروفسور أفيشاي برافرمان، الذي يعد من القلائل الذين تمسكوا بموقفهم المعارض للشراكة مع ليبرمان، الى جانب واحد فقط من وزراء الحزب هو أوفير بينيس، وزير العلوم والرياضة، وذلك بعد ان كان هناك 16 نائبا ووزيرا في الكتلة النيابية يعارضون الشراكة مع ليبرمان، مقابل ثلاثة مؤيدين فقط.

ويقول محلل الشؤون الحزبية في صحيفة "معاريف"، نداف إيال: إن أولمرت كان متأكدا مسبقا من أن "العمل" لن يخرج من الحكومة بعد ضم ليبرمان، وإلا ما كان ليُقدم على هذه الخطوة أصلا. ويقول البروفيسور داني غوتوين، الناشط في القضايا الاقتصادية الاجتماعية، في مقال له نشر في موقع الانترنت التابع لصحيفة يديعوت أحرنوت: "مع دخول ليبرمان إلى الحكومة فإن حزب العمل سيتحول إلى جسم زائد في الحكومة، والوظيفة الوحيدة التي ستتبقى له هو أن يكون ورقة التين للفاشية والكراهية (قاصدا حزب يسرائيل بيتينو) والرأسمالية الهدامة. وبهذا أيضا فإن حزب العمل سيفقد قوة حق الفيتو التي لديه في الحكومة".

هذه ليست المرّة الأولى التي يشارك فيها حزب العمل حزبا عنصريا يمينيا دمويا في الحكومة الإسرائيلية، إذ كانت المرة الأولى خلال حكومة أرييل شارون الأولى التي تشكلت في شتاء العام 2001، وقد استمرت هذه الشراكة قرابة عام ونصف العام.

وسبب هذا الانشغال بحزب العمل هو كونه محسوبا على اليسار الصهيوني، رغم انه هجر هذه الخانة الحزبية منذ سنوات طوال. كما لأن للحزب أهمية خاصة كونه الحزب "المؤسس" لإسرائيل، وقد انفرد بحكمها في السنوات التسع والعشرين الأولى من عمرها، والتي تخللتها الحروب الأساسية الأولى التي وسعت فيها إسرائيل حدودها. إلا أن الحزب يعاني منذ قرابة 12 عاما من أزمة قيادة، بدأت مع اغتيال رئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين، تلته هزيمة الحزب بزعامة شمعون بيرس في الانتخابات اللاحقة التي جرت في ربيع العام 1996. فمنذ ذلك الحين لا يوجد زعيم سياسي واضح للحزب، باستثناء الفترة القصيرة التي تولى فيها إيهود براك رئاسة الحزب وفاز بالانتخابات، إلا أن هذه الولاية كانت سببا آخر في تدمير الحزب.

وبغض النظر عن مصداقية وضع "العمل" في خانة اليسار، ومدى صحة هذا التعبير، فإن الحزب في معادلات السياسة الإسرائيلية هو الوجهة الأولى للقوى اليسارية الصهيونية. وهناك ضرورة للتمييز: ففي الشارع اليهودي هناك مجموعة يسارية صغيرة مناهضة للصهيونية، وترفض بطبيعة الحال حزب العمل، إلا أن القوى اليسارية الصهيونية هي أكثر من الناحية العددية. وفي داخل الحزب مجموعات يسارية صهيونية أفضل من القيادة الحالية، لكنها تعتقد ان وجودها في حزب كبير يعطيها وزنا أكبر كجسم ضاغط على مؤسسات الحزب، لكن هذا أمر لم يعد ملموسا في السنوات الأخيرة.

ولهذا، فإن كثيرا من الحركات والأحزاب ذات الصبغة الصهيونية قد انبثقت بالأساس عن حزب "العمل"، منها من تلاشى لاحقا، ومنها من لا يزال يتحرك بحجم صغير، مثل حزب "ميرتس"، الذي بات أربعة أحزاب، جميعها انبثقت عن حزب "العمل" خلال ربع قرن.

وهناك مقولة تتردد في إسرائيل، هي أن قرار حزب العمل الأخير سيكون بدء نهاية المسيرة السياسية لرئيس الحزب عمير بيرتس، والمسمار الأخير الذي يُدق في نعش الحزب الذي فقد خلال 15 عاما 60% من قوته البرلمانية، بحيث يحتل اليوم 19 مقعدا في الكنيست بعد أن كان لديه في مطلع التسعينات 48 مقعدا.

إن الفترة المقبلة ستكون مثيرة للانتباه على صعيد الجانب اليساري في الخارطة الحزبية في إسرائيل، وقد ينعكس القرار على مستقبل وحدة الكتل النيابية في الكنيست، ولربما استمرار وجود شخصيات بارزة فيها، فجميع استطلاعات الرأي التي نشرت في الأيام الأخيرة في إسرائيل تشير إلى أن حزب العمل سيفقد المزيد من قوته السياسية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، كما أن رئيس الحزب الحالي، بيرتس، يحتل المرتبة الثالثة في المنافسة المقبلة على رئاسة الحزب التي قد تجري في الصيف القادم. وبات واضحا، منذ الآن، أن هناك حالة تململ كبيرة لدى قطاعات واسعة من قوى اليسار الصهيوني، التي لجأت على مدى سنين إلى حزب العمل، ولا يستبعد مراقبون حدوث انشقاق في الحزب، وبما يمثل الضربة القاضية المؤكدة لهذا الحزب.

وإذا كان من المستبعد ان يكون الانشقاق بهذه السرعة، إلا أنه يبدو أن حزب العمل لن يكون على حاله التي نعرفها اليوم في الانتخابات المقبلة. إذ يشهد الحزب في هذه المرحلة حالة اصطفافات جديدة، تقودها بالأساس مجموعة من الوجوه الجديدة التي دخلت إلى الحزب حديثا. وعلى الأغلب، فإن هذه الاصطفافات ستنتظر مصيرها في الانتخابات القادمة لرئاسة الحزب؛ وفوز عمير بيرتس مجددا، وبناء على الظروف القائمة، سيقود حتما إلى انشقاق، أو إلى حالة خروج جماعي من الحزب، كما جرى قبل عام حين فاز بيرتس برئاسة الحزب، بعد أن نافس زعيم الحزب التقليدي شمعون بيرس.

إن حزب العمل الذي يعيش منذ ست سنوات تقريبا حالة موت سريري، وبعد هذه الشراكة مع القوى الفاشية، بدأ حالة النزع الأخير، خاصة وانه نقض خلال ستة اشهر جميع وعوده الانتخابية، والتي كان على رأسها تحريك العملية السلمية، والرفض المطلق لأي شراكة مع حزب "يسرائيل بيتينو"، وإصلاحات اقتصادية اجتماعية، وقد فشل فيها جميعها.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

[email protected]

التعليق