حكومة منزوعة الدسم

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

خلال مسيرة الحكومة الفلسطينية، ظهرت عدة مصطلحات للحكومة البديلة التي ترى فيها اوساط حركة فتح ودول من الاقليم والعالم حلاً للأزمة السياسية الفلسطينية. أحيانا تُطرح فكرة حكومة الوحدة الوطنية، وأحيانا أخرى نسمع عن حكومة تكنوقراط، أي وزراء فنيين، يفهمون في امور البلديات والتلفونات والصحة؛ وزراء خدمات بلا هوية سياسية، أو حكومة بلا أي نكهة سياسية؛ منزوعة الدسم، ليس مطلوبا منها الحديث في السياسة. وحتى من كان من الوزراء سياسيا، فإن عليه ان "يبلش" بعمله ووزارته.

وحتى فكرة حكومة الوحدة الوطنية هي محاولة لجعل الحكومة بلا برنامج محدد، بل تحمل برنامجا سياسيا عاما، مبنيا على العبارات الفضفاضة التي يرى فيها المؤمنون بالتسوية انتصارا لهم، ويرى فيها رافضو التسوية حفاظاً على مواقفهم، وكلتا الفكرتين تعنيان تفويض العمل السياسي التفاوضي الى السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير. وكل المحاولات التي جاءت بها المبادرات الفلسطينية الداخلية والعربية تهدف الى تحويل الحكومة الفلسطينية الى عنوان خدماتي؛ حكومة ليس مهماً ما تقوله، بل ليس مطلوبا منها ان تقول شيئا في الموضوع السياسي، لأنه لا صلاحية لها، والهدف الكبير ان لا يكون لوجود حماس في الحكومة أي تأثير على مسار العملية التفاوضية، فالمهم ان لا ترتد السلطة الفلسطينية عن مسارها المؤمن بالتسوية، او عن الاتفاقات التي قامت عليها السلطة، وصنعت شكلياتها من حكومة ومجلس تشريعي.

وعندما اشتدت الأزمة الاقتصادية للسلطة، وما سمي بقضية الرواتب، كانت هذه الأفكار من وجهة نظر البعض مخرجا للحكومة الفلسطينية من الحصار السياسي والمالي الذي تعانيه، وقدمت ليس باعتبارها عملاً سياسيا لتغيير شكل الحكومة، بل لإنقاذ الوضع الفلسطيني.

والازمة الفلسطينية مهما قيل فيها من تفاصيل فإنها تتلخص في برنامج حكومة حماس، والمطلوب اما ان تذهب الحكومة او ان تغير مواقفها. والحل التوفيقي ان تأتي حكومة ليس من صلاحياتها العمل السياسي، بل تفوضه لرئاسة السلطة او منظمة التحرير. وما تفعله كل المبادرات هو محاولة اقناع حماس بالذهاب الى احد المسارات الثلاثة.

وفكرة حكومة التكنوقراط يمكن ان تصلح في اي بلد باستثناء المناطق الفلسطينية؛ فهل من المعقول ان تكون حكومة سلطة القضية المركزية في الصراع في المنطقة بل هوية سياسية؟! وكيف يمكن لحكومة يتعرض شعبها يوميا للقتل والعدوان ان تفك ارتباطها بالسياسة، فينهمك الوزراء في تعبيد الشوارع والمياه وغيرها؟!

لا حاجة إلى كل عمليات التحايل السياسي، فالمطلوب حكومة فلسطينية تقبل بإسرائيل، وتعترف بها، وتؤمن بالتفاوض معها، بغض النظر عن قدرة المفاوضات على اعادة الحقوق او تغيير نهج الحكومات الاسرائيلية. والمشكلة ليست في ان تعترف حماس بإسرائيل، فلها ان تعترف او لا تعترف، لكن أي حكومة فلسطينية لا يجوز لها، من وجهة نظر السلطة والقوى الدولية، ان لا تعترف بكيان الاحتلال، وكل ما جرى ويجري منذ شهور يذهب بهذا الاتجاه.

مطلوب حكومة فلسطينية تفاوض وتعترف، والاسماء التي يجري تداولها، من حكومة تكنوقراط او حكومة وحدة وطنية، ليست أكثر من محاولات للوصول الى الحكومة المطلوبة. ولعل على حماس ان تدرك انها أمام خيارين: اما الاستجابة لهذه الافكار والمبادرات والضغوطات، وفتح الطريق امام القوى الدولية لإيجاد حكومة لا ترفض التفاوض؛ او تقبل بأن لا علاقة لها بالعمل السياسي، او المحافظة على موقفها.

وقد يكون الدخول في متاهات التوافق الذي يراد منه تحقيق القطيعة بين التفاوض والحكومة له ثمن كبير على حماس، إذ سيُدخلها ولو جزئيا في العملية التفاوضية، حتى وإن كان هذا الدخول على شكل معارضة للتسوية، لكنها تظل معارضة سياسية لا يجوز لها الا ممارسة العمل السياسي، استمراراً لعملية وقف المقاومة لمصلحة الهدنة والتهدئة والحكومة.

لنسمِّ الأشياء بأسمائها؛ فمشكلة حكومة حماس ليس في غياب الخبراء عنها، او في انها لا تضم وزراء من فصائل اخرى، بل في موقفها السياسي، وما تفعله القوى الدولية والعربية هو تغيير الحكومة وموقفها السياسي.

[email protected]

التعليق