د.باسم الطويسي

الاقتسام

تم نشره في الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

الحرب الأهلية حقيقة قائمة في العراق، ولا تحتاج إلى قرار مصادقة واعتراف رسمي بها من قبل الإدارة الاميركية، ولا براءة اختراع من قبل إيران أو غيرها. هذه الحقيقة الواضحة تقود إلى حقيقة اخرى مفادها ان هذه الحرب الدائرة بكل بشاعتها المفرطة ليست مجرد مشرط لتقسيم العراق؛ فمسألة التقسيم باتت عملية جارية بالفعل على الأرض بعد مباركة البرلمان، وهي عملية محسومة لدى القوى الإقليمية المتنفذة ولدى إدارة الاحتلال، وهي جزء من استراتيجية الخروج أو إعادة الانتشار العسكري بمعنى أدق، بل ان مهمة الحرب الأهلية الدائرة اليوم هي الدخول في المرحلة الأخيرة بالتزامن مع مرحلة التقسيم، وقبل ان يسدل الستار على الفصل الأخير من المشهد العراقي وهي مرحلة اقتسام العراق.

الذين صدقوا الدعاية الاميركية ابان احتلال العراق وحكاية الديمقراطية والنموذج المتقدم للحرية، هم اليوم الذين ينشرون قصة فشل المهمة الاميركية ويروجون لسلسة أخطاء الإدارة والمأزق الأميركي في العراق. فالحقيقة ان الرئيس الأميركي لا يعيش حالة إنكار كما قيل. فالمهمة حسب المطلوب منها تسير ضمن مثلث يتحرك بقوة (الفوضى، التقسيم، الاقتسام)، وما يردده بعض أقطاب الإدارة الجمهورية في هذه الأثناء حول فكرة التقسيم باعتبارها الحل الأنسب للوضع العراقي، هي فكرة قديمة وليست وليدة اليوم أو الأمس القريب، ومن يدفع نحوها هم المحافظون الجدد الذين زجوا بالولايات المتحدة نحو هذه الحرب.

لا تحتاج المسألة إلى "شطارة" أو حذق لفهم موقع ومكانة عقيدة تقسيم وتجزئة الكيانات العربية في منظومة أفكار المحافظين الجدد واليمين الأميركي المتصهين، ويكفي العودة إلى  شيخهم (برنارد لويس) الذي وجد أخيرا في العراق المسرح الملائم لأفكاره بعد ان فشلت منذ أكثر من عقدين في لبنان وغيرها. وللعلم فالأدلة ومسار الأحداث تشير إلى ان مرجعية ما يحدث في العراق هي أفكار (برنارد لويس) الصديق القريب للعديد من القيادات العراقية التي أتت مع الاحتلال.

من يعتقد ان المهمة الاميركية في العراق في مأزق، عليه ان ينظر للموقف من زوايا رؤية أكثر واقعية، فقد استطاع المحافظون الجدد تحقيق هدفين استراتيجيين من أهم اولوياتهم وهما امن إسرائيل ثم امن الطاقة ومصادرها. فقد انضج الاحتلال بالتواطؤ مع أطراف إقليمية الحرب الأهلية التي ذهب ضحيتها، وبفعل الاحتلال، أكثر من نصف مليون عراقي، وها هي تنقل العراق إلى مرحلة التقسيم ثم الاقتسام بعد ان أوجدت هذه الحرب وقائع جديدة يصعب تجاوزها لأجيال طويلة، وتم تشريع هذه المهمة بكل شفافية من قبل البرلمان عبر مشروع الفدرالية، في الوقت الذي يذهب به الأكراد نحو المزيد من الاستقلال الذي لا ينقصه سوى انتظار أول المعترفين بالكيان الجديد.

تقسيم العراق سيكون حجة جديدة لاستمرار القوات الاميركية في العراق الممزق لعشر سنوات اخرى، وبهذا التقسيم ستكون إسرائيل قد ضمنت زوال احد أهم مصادر تهديدها الذي تفرضه الجغرافيا الاستراتيجية والكتلة الحيوية للدولة العراقية بغض النظر عن قيم النظام السياسي، والتي يصعب التخلص منها إلا بزوال هذا الكتلة، وتقسيم العراق يخدم مصالح شركات النفط، ويخدم مصالح شركات السلاح.

تدخل مرحلة اقتسام العراق حيز التنفيذ بالتزامن مع مرحلة التقسيم، وعلى هذا الأساس يمكن تلمس الفهم لطبيعة "الإستراتجية العليا" للولايات المتحدة بشأن العراق التي دفعت الرئيس للاستعانة بأفكار المحافظين التقليدين والمحافظين الجدد معا في هذه المرحلة، كما يبدو في أعمال (فريق دراسة العراق) بقيادة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، الذي وضع سيناريو التقسيم كأبرز الخيارات الاميركية، وأشار إلى مرحلة الاقتسام بدعوته إلى ضرورة إشراك إيران وسورية في مرحلة الاستقرار بمعنى الاقتسام، ما يفسر إصرار الولايات الاميركية طوال الأعوام الماضية على عدم تصعيد صراعاتها مع إيران التي لا تريدها عدوة.

الاقتسام يفسر مصالح متصارعة بعضها معلن واخرى غامضة تنمو بسرعة بين إيران وتركيا والولايات المتحدة. عجلة الاقتسام تتحرك بسرعة بينما لا تأخذ هذه الأطراف أي اعتبار أو تقدير للعالم العربي المنقسم على نفسه. في المقابل يبدو ان النخب العراقية السنية أخذت تدرك بداية مرحلة الاقتسام وفي هذا السياق بدأت تتحرك عربيا.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخطأ الامريكي (laith)

    الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    امريكا في كل حروبها تسعى بكل جهدها الى هدفها مغفلة عواقب تحقيق هذا الهدف, فمنظومة الحكم العراقي السابق كانت قادرة على احتواء اي تيارات سياسية "يغردون خارج السرب" اما في ظل الوضع الراهن فأن امريكا سوف تكون في مأزق بمواجهة هذة التيارات الوليدة وسوف تكون في مأزق اكبر اذا غادرت العراق حيث سوف تكون في خطر تحول العراق الى حاضنة لكل التيارات المتطرفة و حركات المقاومة. ومن قال ان الاقتسام في مصلحة امريكا طويلة المدى فمع التطور السريع للاحداث فمن المجدى لامريكا ان تخاف من افراد و جماعات اكثر مما تخاف من دول. ودليل ذلك احداث 11 سبتمبر و المقاومة العراقية و المثال الاخير لمقاومة حزب الله.