تعاون "الصحة" والقطاع الطبي الخاص

تم نشره في الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

ينص نظام التأمين الصحي على مشروعية تحويل المرضى المنتفعين من هذا النظام الى مستشفيات القطاع الخاص في حالات محددة كعدم توفر درجة الاقامة المناسبة للمنتفع او عدم توفر سرير او الحالات التي تحتاج لتخصص غير موجود في مستشفيات الوزارة او الحالات الطارئة.

كما ينص النظام على بعض الضوابط المتعلقة بالرقابة ومتابعة الحالات المحولة، ولكن من الناحية العملية يصعب تطبيق هذه الضوابط، وجرت العادة على عدم الاهتمام بها الا فيما يتعلق بالمحاسبة وتدقيق المطالبات.

الغالبية العظمى من الحالات تقع في بابين؛ اولهما الحالات الطارئة والتي يقتضي الامر فيها ان تغطى بكتاب رسمي من المستشفيات الحكومية خلال 24 ساعة، وثانيهما عدم توفر الدرجة المناسبة لاقامة المنتفع، ويندر ان يكون سبب التحويل ضعفا في المقدرة الفنية، وذلك لان اطباء مستشفيات الوزارة على درجة عالية من الخبرة والمعرفة ويقومون بواجباتهم على مستوى عال.

هكذا كانت الظاهرة، وكانت مستشفيات القطاع الخاص، ولا تزال، تطمح الى زيادة هذه التحويلات للاستفادة منها، ويدخل ذلك في باب التعاون بين القطاعين العام والخاص. لكن لدى التحليل يتبين انه باب في اتجاه واحد وهو استفادة القطاع الخاص على حساب القطاع العام، وهو ايضا باب فيه ثغرات يتسرب منها شيء من الفساد؛ فمن يملك قرار التحويل او قرار تغطية الحالة الطارئة يستطيع توجيه الحالة الى جهة معينة مقابل مردود معنوي او مادي، ولان المستشفيات والاطباء في القطاع الخاص غير معنية بالترشيد او التوفير لدى معالجة هذه الحالات، لا بل تجدوها فرصة للتوسع في استخدام الوسائل التشخيصية والعلاجية بخاصة في مجال استخدام الادوية، وهو مجال هام جدا لان فيه خسارة كبيرة على وزارة الصحة. فالادوية المستخدمة في القطاع الخاص موجودة في الوزارة وتكلفتها قليلة نسبيا لانها تشترى بعطاءات كبيرة بينما (يبيعها) القطاع الخاص للحالات المحولة بسعر السوق مضافا اليه نسبة مسموح بها.

وحيث ان ظاهرة التحويل للقطاع الخاص تنامت وأصبحت تستهلك جزءا كبيرا من موازنة التأمين الصحي، ولا يمكن وقف هذه الظاهرة لانها الحل الوحيد لمنح المنتفع حقه الذي لا يجده كاملا في مستشفيات القطاع العام، إذ تزدحم بغير المنتفعين (القادرين) الذين يتهافتون على طلب الخدمة هناك نظرا للاسعار الرمزية التي يدفعونها، والتي لا تغطي الا جزءا صغيرا من التكلفة الحقيقية. من اجل ذلك كله قمت قبل اربع سنوات بتصميم أسلوب للتعاون تتحقق فيه عدالة وتسد فيه جميع الثغرات المذكورة آنفا ونجحت في تطبيق هذا الاسلوب لمدة 3 سنوات متتالية.

كان الترتيب كما يلي:

1- يخصص المستشفى الخاص عددا من الأسرة لاستخدامها من قبل القطاع العام، كامتداد له وتوزعت هذه الاسرة على العناية المركزة والدرجات الاولى والثانية والثالثة.

2- يقوم المستشفى الخاص بتقديم جميع الخدمات الفندقية والتمريضية والاشراف الطبي على مستوى الاطباء المقيمين وجميع الخدمات التشخيصية والعلاجية والعمليات والاجراءات الطبية واستخدام الاجهزة والمستلزمات الطبية.

3- يتولى الاشراف الطبي على المرضى أطباء من وزارة الصحة وهم الذين يقررون إدخال المرضى وأسلوب معالجتهم.

4- جميع الادوية اللازمة لمعالجة هؤلاء المرضى تصرف من صيدلية في وزارة الصحة استحدثت في المستشفى الخاص بحيث تستفيد الوزارة من الوفر الذي تحققه لوجود الادوية عندها وتجنب دفع زيادات. استثني من هذا البند الادوية اللازمة للتخدير حيث اضيفت الى التزام المستشفى الخاص.

5- يتولى مراقبة العملية ضابط ارتباط من وزارة الصحة مقيم في المستشفى الخاص ويقدم المستشفى الخاص الدعم الاداري المطلوب لمهمته.

6- يتقاضى المستشفى مبلغا ثابتا متفقا عليه يدفع شهريا.

نجحت هذه الطريقة ولدى تحليلها بعد انتهاء المدة تبينت الحقائق التالية:

1- كانت نسبة إشغال هذه الاسِرّة عالية جدا.

2- تمتع المنتفعون بميزات هامة وهي عدم وجود قوائم انتظار ومستوى عال من الخدمة الفندقية.

3- مقارنة بالتحويل العشوائي الى مستشفيات القطاع الخاص وبالتحويل الى المستشفيات الجامعية تحقق وفر يقارب الاربعة ملايين دينار خلال تلك الفترة (يمكن الاطلاع على تفاصيل ذلك عند الطلب).

انتهت هذه العلاقة بقرار من وزارة الصحة نظرا لافتتاح مستشفى الامير حمزة وللتوسعة في مستشفى البشير وهو في نظري قرار حكيم ومبرر مقبول.

الا اننا تفاجأنا بان ظاهرة التحويل لا تزال موجودة بل فتحت على مصراعيها من خلال اتفاقية مع جمعية المستشفيات الخاصة، ولدى قراءة هذه الاتفاقية يتبين ما يلي:

1- عادت امور التحويل من المستشفيات الحكومية الى الخاصة والحالات الطارئة للمنتفعين من الدرجة الثانية والثالثة كما كانت سابقا، مع كل ما في هذه الظاهرة من ثغرات ومسارب قد يدخلها الفساد.

2- الجديد في الاتفاقية هو مرضى الدرجة الاولى الذين فتحت لهم امكانية اختيار المستشفى الخاص مقابل دفع 30% من فاتورة المعالجة، على ان يقدم المستشفى خصما للوزارة مقداره 35%، وتخصيص 1% لجمعية المستشفيات الخاصة لسبب احترت في التكهن به.

3- هذا الترتيب غير محدد بميزانية. وبالتالي لن يستطيع التأمين الصحي تقدير الكلفة مسبقا كما كان في الاسلوب الملغى.

4- جميعنا نعرف صعوبة الرقابة على عمل المستشفيات الخاصة، فيما يتعلق باحتساب نفقات المعالجة، وعندما يفتح الباب لجميع المستشفيات يصبح الامر اكثر صعوبة، واذا عمدت الوزارة الى استخدام جهة رقابية تساعدها في ذلك فسيزيد ذلك من التكلفة الاجمالية.

أرى أن التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص يجب ان يكون متوازنا، بحيث تقدم مصلحة الوزارة على مصلحة القطاع الخاص، فهذا الاخير معني ايضا بخدمة المجتمع وعليه مساندة الدولة وليس الاستفادة منها فقط.

وارى أن تعيد وزارة الصحة النظر في أساليب التعاون، وإذا كانت الطريقة التي جربناها قد انتقدت لانها تخص بعض المستشفيات دون سواها، فالحل بسيط وهو طرح عطاء يبين حاجة الوزارة لعدد الاسرة وسعر اليوم المرضي واختيار المستشفيات المناسبة.

المدير العام لمستشفى المواساة

التعليق