محمد أبو رمان

أزمة الإسلام السياسي

تم نشره في الأربعاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

مقارنة مشهد الإسلام السياسي اليوم، على ما كان عليه قبل قرابة ست سنوات، تشير إلى قفزة كبيرة في سمات هذا المشهد ومساره العام. إذ كانت الحركات الإسلامية في أحسن الأحوال إما حركات سلمية محرومة من المشاركة السياسية جزئياً أو كلياً، غير مسموح لها بالوصول إلى السلطة، وإما جماعات مسلحة مطاردة خسرت كثيراً من معركة الرأي العام بعد فقدان بوصلتها، كما كان عليه الحال في مصر بعد مذبحة الأقصر عام 1997 التي أدت إلى مراجعات كبيرة لدى الجماعة الإسلامية تلاها إعلان التخلي عن حمل السلاح.

أما اليوم وبعد مضي خمس سنوات على أحداث أيلول 2001، فيبدو الحال مختلفاً تماماً، على صعيد الجماعات المسلحة، وبالتحديد شبكة القاعدة فقد تمكنت من تجاوز الضربة القاسية في الحرب الأفغانية، وأعادت هيكلة التنظيمات المرتبطة بها، نحو قدرٍ أكبر من اللامركزية والاعتماد على القيادات والجماعات المحلية، وساهم تدهور الظروف الأمنية والسياسية في عدة مناطق من العالم العربي والإسلامي بتوفير بيئة خصبة ومناسبة للتجنيد وإيجاد المناطق الآمنة، وبالأمس القريب أعلنت القاعدة عن إمارة إسلامية في وسط وغرب العراق، وبدت مؤشرات على وجودها في فلسطين، والبوصلة تتجه اليوم بثبات إلى أفريقيا، التي من الممكن أن توفر مجالاً استراتيجياً كبيراً لنشاطها.

على صعيد الإسلام السياسي السلمي، فقد أدت حرب العراق إلى انفجار سؤال "الإسلام الشيعي" في كثير من الدول العربية، وباتت الحركات الإسلامية السنية والشيعية تحكم العراق اليوم، كما تمخضت الانتخابات الفلسطينية عن وصول حماس إلى السلطة وتشكيلها للحكومة الفلسطينية، وأظهرت نتائج الانتخابات التي حدثت في عدة دول عربية أنّ الحركات الإسلامية هي الرقم الصعب والمرشح الأول لتشكيل الحالة السياسية العربية الجديدة.

ثمة ملاحظات رئيسة تساهم في بناء ملامح القراءة المطلوبة للمشهد الحالي؛ أبرز هذه الملاحظات افتقاد حركات الإسلام السياسي للمشروع الوطني المتكامل، واستغراقها في مشكلات داخلية كبيرة، وفي عمليات توظيف سلبية للدين في المجال السياسي. إذا قرأنا الحالة العراقية فالإسلام السياسي الشيعي، في أغلبه، يدور إما في الفلك الإيراني، دون الالتفات للمصلحة الوطنية العراقية، وإما في سياق الاحتراب الطائفي، الذي وصل إلى مرحلة "الحرب الأهلية باسم الدين"، حتى المساجد لم تسلم من عمليات التفجير والقتل. ولا يختلف حال الإسلام السني كثيراً، على الرغم أن خطاب فعالياته في المسار السياسي يبدو أكثر اعتدالاً وقبولا وفي المسار المسلح ثمة جماعات مقاومة مشروعة، إلاّ أن منظمة القاعدة، وغيرها من منظمات أخرى، تكرس جزءاً كبيراً من نشاطها ضد الشيعة والمخالفين لها في الرأي، حتى من القوى السنية الأخرى، وتقدم فكراً سياسياً وإدراكاً فقهياً مقلقاً ومتشدداً.

في فلسطين، على الرغم من الحصار والظلم الكبير الذي تعرّضت له تجربة حماس في الحكم إلاّ أن خطابها وممارستها السياسية لم يكونا في مستوى التحدي، وظهرت الفجوة واضحة تماماً بين حالة حماس في المقاومة والفداء والمعارضة وبين حالتها في الحكم والسلطة، وبدت الحركة فاقدة لبوصلتها بينما تمزقها الخلافات الداخلية، ولو كانت حركة فتح تمتلك مصداقية، ولو 10%، لدى الشعب الفلسطيني لكان وضع حماس أخطر. صحيح أن حالة حماس استثنائية، لا يقاس عليها، إلاّ أنها مؤشر على أهلية الحركات الإسلامية للحكم.

النموذجان العراقي والفلسطيني يذكران بتجربة السودان، إذ كانت موضع تفاؤل لكثير من الإسلاميين في العالم العربي والإسلامي، لكنها وصلت اليوم إلى مسار سلبي لا يظهر مستوى جيدا في إدارة الحياة السياسية والاقتصادية، ويمكن أن يقال الأمر نفسه بدور الحصار الغربي والمؤامرة الدولية.

ملامح الإسلام السياسي اليوم لم تأت من فراغ، فهي نتاج شروط وظروف رئيسة في مقدمتها أنّ هذه الحركات لم تبن خطابها وممارستها على عملية الإصلاح الديني، التي بدأ بها في العصر الحديث محمد عبده، بل قامت على القطيعة مع هذه العملية، وفي تغليب الجانب الحركي والنشاط الاجتماعي والسياسي على الجانب المعرفي والفكري، ما أدى إلى فراغ كبير في المشروع النهضوي والسياسي لهذه الحركات، فسادت الاجتهادات العشوائية والارتجالية في كثير من الحالات.

كما نجد أنّ الاتجاهات المعتدلة والمستنيرة هي الأقل نفوذا داخل الحركات الإسلامية، ففي إيران خسرت الخاتمية وتراجعت أمام المحافظين، بينما أصوات عاقلة مستنيرة كآية الله منتظري والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهما لا تكاد تسمع مع أصوات المفكرين والعلماء المتشددين. والحال نفسه داخل الحركات الإسلامية السنية فبينما تتصدر أسماء كالزرقاوي – سابقاً- والظواهري ويوسف العيري المشهد السياسي لا تكاد تجد دوراً لأسماء أخرى كطارق البشري ومحمد سليم العوا ود. محمد الأحمري وغيرهم، على الرغم أنهم يمثلون نخبة وطنية مفكرة مستنيرة!

ما سبق يبرز غلبة الصبغة العاطفية على النزعة العقلية في الصعود الإسلامي الحالي؛ وهذا ما يفسر نجاح الإسلاميين في المقاومة والحشد والخطابة وفشلهم في بناء خطاب سياسي عقلاني وممارسة سياسية متقدمة. في أفغانستان، مثلاً، كان الإسلام محركاً للجهاد ولفضيلة التضحية، لكن عندما آلت أمور الحكم للإسلاميين، أظهروا العجز في الفقه السياسي وانقلبوا على أنفسهم، ولما تولت طالبان الأمر، قدمت نظاماً إسلامياً يليق بأناس ينظرون إلى الوراء لا إلى المستقبل. بل إنّ هزيمة المشروع الأميركي اليوم في العراق، على يد الجماعات الإسلامية لا تبشر بمرحلة استقلال وازدهار إنما بحرب أهلية ومشكلات داخلية عاصفة.

قد تلعب عوامل عديدة دوراً كبيراً في الصعود الإسلامي كالسياسة الخارجية الغربية والاحتلال الأميركي والإسرائيلي التي تثير سؤال الكرامة والهوية لدى المجتمعات وكذلك الاستبداد والفساد الداخلي التي تعزز من فرص الإسلام السياسي وقدرته على التجنيد والتعبئة، لكن هذه المبررات والعوامل لن تبقى مقيِّدة للرأي العام إذا أظهرت الممارسة الإسلامية ضعفاُ وفشلاً في مواجهة الواقع، وسيبحث الناس عن خيارات وبدائل أخرى.

من جهتهم الإسلاميون مطمئنون إلى أنّ "المستقبل للإسلام" وفق القراءة الدينية- النصوصية، وإذا ما قارنا تلك القراءة بالخبرة الإنسانية نجد أنّ استبعاد الدين من حياة المجتمعات غير ممكن، كما أنه فاعل حيوي ومباشر في تحديد هويتها، لكن يجب ألا يركن الإسلاميون إلى هذه القراءة "الكسولة". فالسؤال ليس حول "مستقبل الإسلام" بقدر ما هو حول الوظيفة الاجتماعية والسياسية له. فربما يكون الناس مؤمنين وملتزمين بتعاليم دينهم لكنهم "علمانيون"، أو تأتي حركة إصلاح ديني تتجاوز في أطروحاتها حركات الإسلام السياسي الحالية وتكون أقدر على خلق المعادلة الإيجابية المطلوبة بين المسلم ودينه وشروط عصره.

[email protected]

التعليق