دعم المقدسات

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

سياسيا، فإن المقدسات الاسلامية في القدس ذات اهمية نظرية كبرى لكل العرب والمسلمين. والواقع يقول ان القدس ومقدساتها محتلة، وتقع تحت هيمنة كيان الاحتلال الصهيوني وسيطرته، بعد أن قام بضمها عقب ايام من عدوان العام1967؛ اي ان سلطة كل العرب والمسلمين والفلسطينيين ثانوية، ولا تتجاوز المقدسات الاسلامية هناك، والحفاظ عليها من الاستهداف الحضاري والتخريب، ومحاولة طمس الهوية العربية والاسلامية لهذه المدينة المقدسة، والتي هي جزء من هوية الامة، قبل ان تكون حقا وطنيا وسياسيا للشعب الفلسطيني.

وما تحتاجه القدس هو الحفاظ عليها كحق كامل للشعب الفلسطيني، وكجزء من الارض العربية. والموقف الفلسطيني الرسمي اخذ شكله النهائي بالموافقة على اقتسام القدس، بكل اجزائها، بين الدولتين الفلسطينية الموعودة، والصهيونية القائمة. والحد الاقصى للمطلب الفلسطيني الرسمي هو اقامة عاصمة الدولة على القدس الشرقية، الأمر الذي لم يحظ حتى الان بموافقة اسرائيلية. وسيبقى هذا الملف شائكا، وربما عامل تفجير لعملية السلام.

ومقابل هذا الجانب السياسي هنالك جوانب اخرى في اداء دور تجاه هذه المقدسات، وهو دور ظاهره ثقافي حضاري خدماتي، لكنه استراتيجي في المحافظة على هوية المدينة ومقدساتها. فجزء كبير من الجهد الصهيوني يتركز على تهويد المدينة وتهجير سكانها وشراء الاراضي او الاستيلاء عليها، والقضية الكبرى تلك الحفريات التي تقوم على مزاعم الهيكل، والتي اسقطها الجهد الصهيوني نفسه! لأنه بعد حوالي 40 عاما من الاحتلال والحفريات لم يظهر هذا الهيكل، الا ان كان موجودا في النصوص المحرفة التي تقوم عليها الدولة العبرية.

ما تعودناه في العالم العربي هو ان ندخل كل القضايا في اطار التنافس السياسي، بحيث يفضل بعضهم ان لا يتم عمل اي شيء على ان يعمل طرف آخر اي شيء! ولهذا، فيما يتغاضى أولئك عن واجباتهم، لا يجب ان يقوم بها آخرون، لأننا مسكونون بأمراض الساحة السياسية العربية، وما يسمى بالادوار. ومن يعمل يقابل عمله بتشويش او اتهامات، او حتى محاولات افساد العمل؛ ولهذا مارس الجميع تقصيرا، حتى على مستوى الهيئات العربية والاسلامية العليا، مثل لجنة القدس وغيرها.

وبعد الاحتلال الصهيوني حافظ الاردن على تقديم خدمة للمقدسات الاسلامية في القدس ورعايتها. وكان بقاء هذه المقدسات تحت رعاية عربية مسلمة ضرورة لحمايتها ما امكن من التهويد، واخراجها خارج الضم والادارة السياسية الصهيونية. وهو عمل ودور لا يغني عن تحرير القدس، لكن متطلبات التحرير لا تعني ترك المقدسات او التقليل من العناية بها.

المقدسات تحت الرعاية الاردنية محاولة عربية جادة للحفاظ على هوية المدينة. والامر لا يتوقف عند رعاية قبة الصخرة والمسجد، بل هناك مدارس واوقاف يقوم الاردن بواجبه نحوها، وهناك مديرية اوقاف القدس؛ اي اننا امام جهد حقيقي للحفاظ على هوية المدينة ورعاية مقدساتها. وفي قضية معقدة مثل القضية الفلسطينية، تكون الحاجة ماسة إلى كل جهد. وبعض الدول ذات الخطاب الثوري لا تقدم اكثر من عون لاسر الشهداء، وبعضها يقدم بعض الدور السياسي المدفوع ثمنه اوراقا سياسية!

وحتى عندما نشأت السلطة الفلسطينية، بادر بعضهم إلى محاولة المطالبة بسحب الدور الاردني في القدس. لكن هذا الطلب تراجع، لأن خروج الاردن يعني وضع اليد الاسرائيلية، ما دام الشكل النهائي للتسوية لم يتضح.

قبل ايام، كانت دعوة جلالة الملك لتأسيس صندوق لتلبية احتياجات المقدسات الاسلامية. والاحتياجات ليست مواد تنظيف او غيرها، بل رعاية متكاملة. وهذا الصندوق المفتوح في تمويله لكل صاحب مبادرة ومال يعني مأسسة الرعاية المالية، ويعني ايضا فتح ابواب الخير، واداء بعض الواجب تجاه القدس ومقدساتها. فالفعل الصهيوني في التهويد والاساءة لا يقابل فقط بالفعل الاعلامي والشكوى، بل بالرعاية والحفاظ على هوية المقدسات ورعايتها، سواء بما كان من اقامة منبر صلاح الدين، او الرعاية الدائمة، او ترميم قبة الصخرة، فضلا عن الاعمال الدورية في رعاية الاوقاف والمدارس.

القدس ومقدساتها ملف كبير يمكن لكل العرب والمسلمين ان يقدموا فيه شيئا. والدور الاردني في رعاية المقدسات والاوقاف، واعمار المسجد الاقصى وقبة الصخرة لم يبدأ من اليوم، بل هو مستمر  منذ زمن الشريف الحسين بن علي، ما يعني انه لا ينطلق من نزوة سياسية، او رغبة في البحث عن دور، بل من قناعة وامانة في رقاب كل الاردنيين.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق