الصين واستراتيجية أفريقيا الكبرى

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

منذ انعقاد مؤتمر برلين في العام 1883، وهو المؤتمر الذي أطلق عليه ليوبولد الثاني ملك بلجيكا "مؤتمر تقسيم كعكة أفريقيا"، افترض الغرب لنفسه حقوقاً شاملة على المنطقة الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى الإفريقية. ولكن على الرغم من أن قروناً من النضال في سبيل إنهاء الحكم الاستعماري وسياسة التمييز العنصري لم تغير هذا الواقع كثيراً، إلا أن النفوذ الغربي هناك بات الآن في مواجهة تحدٍ واضح من جانب الصين، التي تتوق إلى وضع يدها على الاحتياطي الإفريقي الوفير من المعادن والموارد الطبيعية، مثلها في ذلك مثل الغرب.

اكتسبت الصين قدراً كبيراً من التأييد في كافة أنحاء القارة، وذلك من خلال استغلالها لمشاعر الاستياء المشتركة المناهضة للاستعمار، والتعامل مع القارة بقدر كبير من الجدية. ومن المنتظر أن يشارك في الاجتماع القادم هذا العام لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي(CACF)، والذي تأسس بهدف تشجيع وتعزيز التجارة والاستثمار، ستة وأربعون رئيس دولة إفريقية، علاوة على زعماء الصين. وعلى أية حال، فإن الرئيس الصيني هيو جينتاو، ونائب الرئيس زينج كوينجهونج، ورئيس الوزراء وين جياباو يحرصون على زيارة القارة بانتظام.

إن التحركات التي تقوم بها الصين من أجل تقوية الروابط بينها وبين أفريقيا تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف: تأمين الإمدادات من الطاقة والموارد المعدنية، وتقليص النفوذ التايواني في القارة(التي تحتوي على ست دول من الدول الست والعشرين التي تقيم مع تايوان علاقات دبلوماسية كاملة)، وتوسيع نطاق النفوذ الصيني المتنامي على مستوى العالم.

لقد استثمرت الصين آلاف الملايين من الدولارات في إنتاج النفط الإفريقي، والتعدين، والنقل، وإنتاج الطاقة الكهربية، والاتصالات، ومرافق البنية الأساسية الأخرى. وفي عام 2004 وحده بلغ الاستثمار المباشر الأجنبي الصيني في أفريقيا 900 مليون دولار أميركي من إجمالي 15 ألف مليون.

على سبيل المثال، أنفق ممثلون تجاريون صينيون ما يقرب من 2.3 ألف مليون دولار أميركي لشراء 45% من أسهم أحد حقول النفط البحرية النيجيرية، كما وعدوا باستثمار 2.25 ألف مليون دولار إضافية في مجال تنمية الاحتياطيات النفطية. أما أنجولا التي تصدر حالياً 25% من إنتاجها من النفط إلى الصين فقد حصلت على قرض بلغت قيمته ألفي مليون دولار أميركي في مقابل عقد يقضي بتزويد الصين بعشرة آلاف برميل من النفط يومياً.

كما استفادت السودان، التي تـمد الصين بـِ7% من إجمالي وارداتها من النفط، بأضخم الاستثمارات الصينية في المنطقة. وتمتلك شركة النفط الوطنية الصينية 40% من أسهم شركة النيل الكبرى للنفط، كما استثمرت 3 آلاف مليون دولار أميركي في إنشاء مصافي التكرير ومد خطوط الأنابيب. فضلاً عن ذلك، ينتشر في جنوب السودان أربعة آلاف جندي من جيش التحرير الشعبي الصيني لحراسة أحد خطوط أنابيب النفط.

وتُحَدِثنا الأرقام بقصة مشابهة حول النفوذ سريع النمو على الصعيد التجاري. فقد تنامت التجارة الصينية الإفريقية بنسبة 700% أثناء التسعينيات، ثم تضاعفت في الفترة من العام 2000 إلى العام 2003، فبلغت 18.5 ألف مليون دولار أميركي، وبعد ذلك قفزت إلى 32.2 ألف مليون دولار أميركي خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2005.

وبينما ساعدت الروابط التجارية والاستثمارية مع الصين في تعزيز النمو الاقتصادي الإجمالي للقارة والذي سجل معدلاً قياسياً فبلغ 5.2% خلال العام 2005، فقد بادرت الصين أيضاً إلى إلغاء ما قيمته عشرة آلاف مليون دولار أميركي من ديون ثنائية على دول إفريقية.

لكن تقارب العلاقات على هذا النحو كان سبباً في قدر لا يستهان به من الجدال. فلقد أصبحت الدول الإفريقية من بين كبار مشتري الأسلحة والمعدات العسكرية الصينية. وبطبيعة الحال، ليس من المستحب على الإطلاق أن يتدفق المزيد من السلاح إلى قارة مشبعة بالأسلحة وتفتقر إلى الاستقرار إلى هذا الحد. ولكن كما علق نائب وزير خارجية الصين زاو وينزونج على هذا الموقف"التجارة هي التجارة، والصين تعرف كيف تفصل بين التجارة والسياسة".

ربما كان الأمر الأكثر إزعاجاً على الأمد الأبعد يتلخص في الدعم الذي لا تبخل به الصين على الزعامات المستبدة في أفريقيا. ذلك أن النمو الاقتصادي الذي لا تصاحبه العدالة الاجتماعية لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد حرمان الغالبية العظمى من الشعوب الإفريقية من الظروف المعيشية اللائقة لصالح أقلية ضئيلة من الأثرياء.

فضلاً عن ذلك فإن نجاح الصين في غضون عقد واحد من الزمان في تبديل موازين القوى في أفريقيا، وزحزحة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى المرتبتين الثالثة والرابعة، بل ومنافسة فرنسا على المرتبة الأولى باعتبارها الشريك الرئيسي للقارة على الصعيدين الاقتصادي والتجاري، كان سبباً في انزعاج هؤلاء المنافسين إلى حد كبير. فسارعت فرنسا إلى تصعيد مراقبتها للأنشطة الصينية في أفريقيا. حتى أن رئيس وزراء بريطانيا توني بلير اقترح إلغاء الإعانات الزراعية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي إلى مزارعيه طبقاً للسياسة الزراعية المشتركة، وذلك في محاولة لتوثيق الروابط بين أوروبا وأفريقيا.

إن أفريقيا تشكل"الهدف السهل" الوحيد المتبقي في العالم حيث تستطيع القوى الخارجية أن تتنازع سعياً إلى الحصول على موارده المعدنية. إلا أن آخر ما تحتاج إليه أفريقيا الآن هو أن تتحول إلى ساحة معركة في خضم حرب اقتصادية سياسية. وكما يدرك الأفارقة بفضل خبراتهم القديمة فإن الدول الكبرى لا أصدقاء لها، بل مصالح تسعى إلى تحقيقها.

ونستطيع أن نضع تصوراً واضحاً للمشكلة من خلال استعراض النزاع الدائر في دارفور. فعلى الرغم من إعلان الصين عن التزامها بعدم التدخل، إلا أن المصالح الصينية في النفط السوداني توحي بالعكس تماماً. وعلى هذا فإن الصين تهدد باستخدام حق النقض(الفيتو) ضد أي قرار يتخذه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بفرض أية عقوبات على الحكومة السودانية التي تنفذ قواتها والميليشيات المتحالفة معها حملة إبادة عرقية ضد المواطنين السودانيين من السود، باستخدام طائرات مروحية صينية الصنع تتمركز في مهابط تتولى صيانتها شركات نفط صينية.

وإلى أن تدرك الصين أن مصالحها الاقتصادية في أفريقيا مرتبطة بالتنمية السياسية للقارة، فلسوف تستمر مثل هذه الفظائع. وقد يشهد اقتصاد أفريقيا المزيد من النمو، إلا أن معاناة الشعوب الإفريقية لن تتوقف.

سانو مباي خبير اقتصادي سنغالي، أحد كبار الأعضاء سابقاً في فريق إدارة بنك التنمية الإفريقي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق