أيمن الصفدي

الركوب على سرجين

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

نشرت صحيفة لوس انجلوس تايمز الأميركية قبل أيام تقريراً عن الأوضاع السياسية في البلد. التقرير أثار جدلاً كبيراً لاحتوائه مغالطات وقراءات غير دقيقة. اكبر هذه المغالطات تتعلق بشعبية جلالة الملك.

لا يستحق التقرير التوقف عنده كثيراً. فهو ليس افتتاحية للصحيفة الواسعة الانتشار. ولا يمكن اعتبار ما ورد فيه موقفاً للصحيفة. ولا يمكن أيضاً اعتماده مرجعية في تقويم الأوضاع في المملكة.

فبكل بساطة، كاتب التقرير قادم جديد للمنطقة وحديث العهد بها. والتكهنات والاستنتاجات حول شعبية الملك التي وردت في تلك المادة الصحافية هي رأي لمعلق وصفه التقرير بأنه رسمي متوسط الرتبة. شخص واحد لا معلومات حول قدرته على التقويم ينقل عنه قوله إن النظام في أزمة! ومقابل ذلك، هنالك آلاف الآراء التي تختلف مع هذا الرأي وتؤمن أن لا مشكلة في شعبية الملك، وأن النظام ثابت راسخ رغم كل التحديات والصعوبات الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلد، ورغم حال اللااستقرار التي تعيشها دول الجوار.

وليس سراً أن في المجتمع من يؤمنون بالرؤية التي اقتبسها صحافي لوس انجلوس تايمز. لكن هؤلاء أقلية. وهنالك تقارير أخرى نشرت آراء تختلف تماماً مع تلك التي وردت في التقرير الذي نشرته لوس انجلوس تايمز.

البلد لا يهزه مقال في صحيفة. والنظام وشرعيته وشعبيته لا يتأثرون برأي شخص غير معروف تحدث إلى صحافي. فنحن نعيش عصر انفتاح اعلامي غير مسبوق. وتظهر على الانترنت يومياً آلاف المقالات والكتابات. ويملك الناس القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ وبين الادعاء المغلوط والمعلومة الدقيقة.

بيد أن القضية التي تستحق التوقف عندها هي "مهنة" الرفضوية والمزايدة التي احترفها بعض أدعياء السياسة والثقافة سعياً وراء حضور، أو اقتناعاً بإمكانية الكسب من تبني آراء رفضوية.

وهؤلاء يغيرون المواقف بتغير الحضور. خطابهم مزدوج يعتمد على هوية المتلقي. فالحكومة عظيمة وإنجازاتها كبيرة اذا كان الحديث أمام رئيس الوزراء أو وزرائه. والحكومة ديكتاتورية وغير اصلاحية إذا كان مكان الحوار سفارة او غرفة مغلقة والحضور سياسيين او أكاديميين أو إعلاميين غربيين يُعتقد أن اكتساب الصدقية في عيونهم يتطلب رسم صورة قاتمة عن راهن البلد.

لاأخلاقية هؤلاء لا تكمن في ما يتبنون من مواقف. فلأي كان الحق في أن يطور الآراء التي يريدها. والنقد حق لكل مواطن. ونظرية "نشر الغسيل الوسخ" أمام الغرباء سقطت في عصر العولمة والانترنت. اللاأخلاقية هي في تبني خطاب مزدوج تتبلور الآراء فيه على أساس المنفعية أو الفائدة التي تتحقق من إسماع المتلقي ما يريد.

واللاأخلاقية تكمن أيضاً في تصرفات من يريدون الركوب على سرجين من خلال ابتكار آليات يعتقدون أنها تمكنهم من الحفاظ على الخطاب المزدوج. ويعتمد هؤلاء على خطاب يحاول أن يكسب الدولة ومعارضيها بالاعتماد على المديح والنقد في آن. فهم، مثلاً، يمدحون الملك مدخلاً وغطاءً للانتقاص من كل شيء دونه. ويؤكدون إيجابية مدير المخابرات العامة غطاءً للإشارة إلى ممارسات غير مقبولة من قبل الجهاز الأمني. تلك ازدواجية ما عادت تخدع أحداً.

بالطبع لا يستطيع اي كان ان يمنع هؤلاء من الاستمرار في تبني النفعية منطلقاً لتكوين الرأي السياسي. ولا حاجة للمحاولة. ذلك انه، في النهاية، سيفقد هؤلاء صدقيتهم لأن الخداع لعبة حبالها قصيرة في بلد أصغر حجما من أن يوفر غطاءً مستديماً للمخادعين.

السبيل الوحيد للتعامل مع هؤلاء هو قبول وجودهم في المجتمع مرضاً لا سبيل لتحاشيه. أما تقليل خطرهم فيكون بتجذير الديمقراطية واعتماد الصدقية والصراحة في العمل العام، اضافة الى نبذ سياسة المهادنة التي ادى اعتماد بعض الرسميين لها الى استقواء اصحاب الاصوات العالية والخطابات المزدوجة.

التعليق