ياسر أبو هلالة

درع كوندي ودروع أخرى

تم نشره في السبت 7 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

الدرع الواقي من الرصاص اختراع سخيف؛ وفي لبنان كنا نرتديه ونحن نعلم تواضع قدراته، لكن من باب الحلال والحرام، والأخذ بالأسباب، تجد نفسك مضطرا لارتدائه. وهو عبء نفسي وجسدي ثقيل؛ فعندما ترتديه تدرك أنك في مرمى النيران، وأنه محاولة بائسة لحمايتك منها. وهو ثقيل الوزن، ويجعلك في الصيف تعيش في فرن! وبالتدريج، كنا نتخفف منه؛ إذ تبدأ المرحلة الأولى بفتح السترة قليلا، ثم تنفتح كاملة ويصبح صدرك مكشوفا، وبعدها تخلعه وتضعه على يمينك، ثم ترميه في أقرب نقطة نادما على الساعة التي حملته فيها.

عندما شاهدت وزيرة الخارجية الأميركية، كونداليزا رايس، ترتدي الدرع الواقي لدى نزولها من الطائرة في بغداد أدركت مدى النجاح الأميركي في العراق. فزيارة غير معلنة، إلى منطقة محصنة ومحاطة بحراس شداد غلاظ، لا تشعر مسؤولا أميركيا بالأمن، فما حال الجنود الأميركيين؟! الزيارة جاءت عقب أسبوع هو الأسوأ على الجيش الأميركي منذ احتلال العراق.

لا أضيف جديدا على ما كشفه الصحافي الأميركي بوب ودوورد في كتابه "حال نكران" عندما شخص الوضع في العراق بأنه "هزيمة كاملة". وهذا الوصف ليس لسيناتور ديمقراطي يحضر للموسم الانتخابي، بل هو لأكبر قائد في حلف شمال الاطلسي "ناتو"، الجنرال الاميركي جيمس جونز، الذي عندما سأله الصحافيون عما نسبه إليه ودوورد أقر به.

في الغضون، تعتقل القوات الأميركية سائقا سابقا لأبي حمزة المهاجر (أبو أيوب المصري بحسب التسمية الأميركية). ويعلن موفق الربيعي، من دون أن يذكر اسمه في الخبر، مقتل زعيم القاعدة في العراق. ومع أن الخبر غير صحيح، إلا أنه مع خبر اعتقال السائق -إن صح- يكشف مدى التقدم الذي لم تتورع كوندوليزا رايس عن الحديث عنه في بغداد.

المشكلة في العراق أن الحرب الأهلية توازت مع حرب التحرير، ولولا الحرب الأهلية في العراق لما تمكن الأميركيون من البقاء ساعة في العراق. وإن كانت رايس وجماعتها في المنطقة الخضراء يعيشون في مناطق محصنة، ويرتدون دروعا واقية، فإن المواطن العراقي مستباح بالكامل، من جيش الاحتلال، ومن المليشيات، ومن فرق الموت، ومن المفخخات.

في التراث قصة سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مع مبعوث كسرى عندما وجده متوسدا بردته من دون حرس، فقال له "عدلت فأمنت فنمت". ولو كانت السياسة الأميركية عادلة في المنطقة، لما احتاجت رايس كل هذه الاحتياطات، لكنه الظلم الذي يولد الرغبة في الانتقام، وهي رغبة تتحدى كل الاحتياطات، ولا تقف دونها دروع.

في يوم زيارة رايس كانت ذكرى اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات، الذي تمكن منه جنود صغار وهو خارح على قومه بزينته في يوم نصره، فيما كان يعتقد أن أميركا قادرة على حمايته بعد أن أبرم معاهدة السلام مع إسرائيل، وأدار ظهره لشعبه وأمته.

ميكيافيلي، صاحب كتاب الأمير، قال أن يعدل الحاكم أفضل من أن يعلي أسواره. بدهيات تعرفها ثقافات البشر، لكن لا تعرفها أميركا ولا جماعتها.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق