الفجوة في صلاحيات الأمم المتحدة

تم نشره في السبت 7 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

عمليات الأمم المتحدة الجارية الآن لحفظ السلام في لبنان تقدم للمنظمة فرصة كبيرة للبرهنة على أهميتها، وثقلها على المسرح العالمي في القرن الواحد والعشرين. ولكن لو نرى تلك الدول الأعضاء، التي تزعم أنها النصير الأكبر للأمم المتحدة، قد وضعت دعمها المالي في محل التشدق بالكلام الأجوف.

الحقيقة أن العديد من زعماء العالم، وبصورة خاصة في أوروبا، ينتقدون بشدة محاولات إدارة بوش تقويض الأمم المتحدة، والتي تجلت بوضوح منذ العام 2003، إلا أن الزعامات الفرنسية التي أعربت عن غضبها الشديد حين تجاهلت الولايات المتحدة منظمة الأمم المتحدة، وغزت العراق من دون مباركة من المجتمع الدولي، أصابت العالم بالدهشة والذهول في شهر آب الماضي حين تراجعت عن وعدها بإرسال ألفي جندي ضمن قوات حفظ السلام للتدخل في جنوب لبنان، واكتفت بدلاً من ذلك بالتعهد بإرسال مائتي جندي فقط!

من حسن الحظ أن فرنسا تعيد النظر في قرارها الأخير الآن، كما تعهدت ألمانيا بتقديم مساعدة بحرية محدودة، أما إيطاليا فقد رفعت إسهامها في قوات حفظ السلام في جنوب لبنان إلى ثلاثة آلاف جندي. إلا أن استجابة أوروبا في مجملها، مثلها في ذلك مثل استجابة الولايات المتحدة في حالات أخرى، تساعد في تسليط الضوء على قضية حيوية بالنسبة لمناصري الأمم المتحدة كافة، والمؤسسات الدولية بصورة أكثر شمولاً. وإذا لم يكن بوسعنا أن نفعل كل ما يتطلبه الأمر لكي نجعل هذه المؤسسات أكثر فعالية وتأثيراً، فسوف نجد على نحو متزايد أن الدول أصبحت تتجاهل هذه المؤسسات تمام التجاهل.

يدعو قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 إسرائيل ولبنان إلى "دعم الوقف الكامل لإطلاق النار"، وهو بهذا يمهد المسرح لمسؤولي الأمم المتحدة لوضع "قواعد الالتحام" التي ينبغي أن تتبناها قوات حفظ السلام، والتي تملي عليهم متى وتحت أي ظرف من الظروف يمكن لقوات الأمم المتحدة أن تستعمل أسلحتها في الدفاع عن نفسها. ولكن كما باتت بعثة الأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل) تدرك جيداً الآن، فإن دفاع المرء عن ذاته ليس كحمايته لنفسه ضد النيران المعادية في المقام الأول.

وفي هذا السياق سنجد أن الفرنسيين منزعجون بشأن مصير جنودهم، المكلفين بدعم الحكومة اللبنانية في جهودها الرامية إلى فرض سيطرتها على الجنوب الذي تهيمن عليه قوات حزب الله. والحقيقة أن الخبرة الرهيبة التي مرت بها قوات حفظ السلام الفرنسية في البوسنة في أوائل تسعينيات القرن العشرين، حين خسرت فرنسا 84 من جنودها الذين كانوا يخدمون في مهمة إنسانية خاضعة لقيود صارمة فيما يتصل بقواعد الالتحام، تشكل مبرراً قوياً لمخاوفهم الحالية.

لكن قواعد الالتحام لا تشكل سوى عَرَضِ لمشكلة أكثر عمقاً. فالقضية الحقيقية تتلخص في الفجوة الواسعة بين القواعد المدونة على الأوراق وبين الممارسة الفعلية. ففي أوج الأزمات الدولية، يصدر مجلس الأمن قراراته في استعراض عام عظيم، فيؤسس بذلك "التفويض" الرسمي اللازم للأمم المتحدة، إلا أنه يصبح لزاما على الأمين العام للأمم المتحدة، بعد أن صار القرار في يده، أن يطالب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتوفير الموارد الفعلية الملموسة اللازمة لتنفيذ القرارات التي تم التوصل إليها. وفي الغالبية العظمى من الحالات، تكون تلك الموارد أقل كثيراً مما هو مطلوب للتدخل الناجح في أي أزمة.

في تقييم لتفويض الأمم المتحدة وصلاحياتها أجري في العام 2006، تبين أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تتبنى المئات من التفويضات في كل عام، فتتشاور بشأن "المسؤوليات الإضافية"، بلا تمويلات مناسبة لها أو إرشاد أو توجيه حول كيفية استخدام الموارد. وفي السياسة المحلية الأميركية، يطلق على هذا النوع من الأوامر الصادرة عن الكونغرس إلى الولايات "التفويض غير الممول"؛ إذ تصدر الأوامر بتحقيق النتائج ولكن من دون تقديم الموارد الضرورية لتحقيق تلك النتائج! إن الأمر عبارة عن مسرح سياسي؛ عناوين، وشعارات ضخمة، ونتائج ضئيلة.

إن تجارب الأمم المتحدة في لبنان ليست مشجعة. وطبقاً لتصريحات قسم عمليات حفظ السلام التابع للأمم المتحدة، فقد كانت قوات اليونيفيل تعمل بميزانية سنوية بلغت 94 مليون دولار أميركي، وتعاني من عجز مزمن في الميزانية بسبب عدم تسديد الدول الأعضاء للمساهمات المقررة عليها.

والآن تعالوا نتأمل التفويض الصادر إلى قوات اليونيفيل الموسعة طبقاً للقرار رقم 1701: يتعين على قوات حفظ السلام مراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله؛ ودعم ومصاحبة القوات اللبنانية المسلحة أثناء انتشارها في جنوب لبنان؛ ومساعدة الحكومة اللبنانية في تأمين حدود البلاد ومرافئها بهدف منع السلاح غير القانوني من الوصول إلى حزب الله؛ و"المساعدة في ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين والعودة الطوعية الآمنة للنازحين". إنها في الحقيقة مهمة تتجاوز طاقة البشر. ولكن حتى الآن، وبعد مرور أكثر من شهر منذ صدور القرار، لم يبلغ عدد القوات التي انتشرت في جنوب لبنان خمسة آلاف.

وحتى إذا نجحت الأمم المتحدة في توفير ونشر خمسة عشر ألف جندي، فسوف تظل التحديات القائمة في لبنان مروعة ومثبطة للهمم. إذ تصر الأمم المتحدة على أن القرار 1701 لا يمنح قوات الأمم المتحدة التفويض بنزع سلاح حزب الله؛ والحقيقة أننا لن نجد أي دولة أخرى غير إسرائيل على استعداد لتكليف جنودها بمثل هذه المهمة. إلا أن تنفيذ هذه المهمة تُرِك للحكومة اللبنانية وقواتها المسلحة، والتي تحتاج في واقع الأمر إلى الحصول على كل مساعدة ممكنة من المجتمع الدولي.

كل ما سبق لا يشكل سوى الجانب العسكري من جهود قوات حفظ السلام. فقد دُمِّر القسم الأعظم من البنية الأساسية في لبنان، وبصورة خاصة في الجنوب؛ كما هُدِمَت المساكن وسبل العيش، فمن سيبني أو يعيد بناء المستشفيات؟ وكيف سيعاد بناء البنية الأساسية للاتصالات؟ ومن سيصلح جسور لبنان وطرقها؟

إن الفجوة القائمة في الصلاحيات تعكس الطريقة التي ظل بها العالم يتعامل مع الأمم المتحدة لعقود من الزمان؛ وعود ضخمة، ومشاركات ضئيلة، والكثير من إلقاء المسؤولية على الآخرين في حالة فشل المنظمة.

ولكن اليوم أصبح أمام المجتمع الدولي فرصة هائلة لضمان سلام محدود، لكنه على قدر كبير من الأهمية في الشرق الأوسط، على طول الحدود الملتهبة بين لبنان وإسرائيل. وإن استجابة الدول الأعضاء الآن -وبصورة خاصة تلك الدول التي تؤمن بقيمة الأمم المتحدة والأغراض التي تخدمها- قد تساعد في صياغة النتائج التي ستنتهي إليها صراعات إقليمية أخرى قائمة وأكثر اتساعاً، وأبرزها مع إيران وسورية، وهما الدولتان اللتان تساندان حزب الله.

إن الأمم المتحدة تقدم الآلية التي يستطيع المجتمع الدولي أن يعمل وفقاً لها، ولكن كما يكرر كوفي أنان في العديد من المناسبات، لا وجود للأمم المتحدة منفصلة عن دولها الأعضاء. والأمر هنا يرجع إلى تلك الدول الأعضاء -وإلى حكوماتنا كافة- لتقديم وتوفير الإرادة الضرورية والموارد اللازمة، وألا تتحول الأمم المتحدة إلى مجرد آلية أو أداة عملية تسمح لكل مسؤول بإلقاء المسؤولية على غيره. ولن يقاس التزامنا بترسيخ السلام في الشرق الأوسط، أو دارفور، أو الكونغو، أو كوسوفو، أو هايتي، بما نتشدق به من كلمات، بل بما نقدمه من دعم مالي. وفي النهاية لن يحصد العالم إلا ما زرعه.

آن-ماري سلوتر عميدة كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون، وهي مؤلفة الكتاب الذي سيصدر قريباً بعنوان "الفكرة التي هي أميركا: كيف نستمر على إيماننا بقيمنا في هذا العالم الخطر".

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2006.

التعليق