د.باسم الطويسي

الإعلام والديمقراطية الساخنة

تم نشره في الخميس 5 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

لم يتسن للعديد من الدراسات، التي تناولت تجارب الإصلاح السياسي والدمقرطة خلال عقد ونصف منذ نهاية الحرب الباردة، التحقق علميا من دور الإعلام في نشر الديمقراطية أو التهيئة لها، بالقدر الذي أثبتت فيه الوقائع ان هذه الوسائل قد أسهمت في الانتقال من كونها أداة لممارسة الاستبداد حينما كانت محتكرة من قبل السلطة إلى أداة للمناورة تحت عناوين التغيير السياسي، حيث جاءت في سياق اقرب ما يمكن ان توصف به ديمقراطيات ساخنة غير محصنة وتفتقد للوعاء الثقافي وقابلة للانتكاس في أي لحظة.

 

وعلى الرغم من بداية تبلور اطر نظرية علمية تفسر مرحلة الانتقال الديمقراطي إلا ان دور المؤسسات السياسية والاجتماعية في عملية الانتقال بقي غامضاً؛ لان معظم البحوث كانت تركز على نخب جديدة مقابل نخب تقليدية وبيروقراطية مقابل زعماء عسكريين، في حين كان ينظر إلى المجتمع المدني والمؤسسات الاجتماعية بنظرة هامشية.

قبل سنوات قليلة كان الحديث يدور عن النموذج البوسني، حيث كانت وسائل الإعلام المنتشرة تحت لواء الانتقال الديمقراطي احد أهم أدوات إعاقة هذا التحول، واليوم يتكرر الوضع في الشرق الأوسط والمنطقة العربية بأنماط متعددة، هذه البيئة لم تسهل المهمة، ويطرح هذا الواقع مسألة عدم وضوح دور وسائل الاعلام في عملية الدمقرطة بشكل عام منذ التهيئة للتحول الديمقراطي في مجتمعات تسودها أنظمة استبدادية إلى عملية الانتقال الديمقراطي وصولاً إلى نضوج الديمقراطية في القيم والممارسة.

ثمة قناعة كبيرة لدى فريق من الخبراء والباحثين بان وسائل الاعلام أداة أساسية في الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي بشكل عام، لكن لا يزال فريق آخر يشكك بأهمية هذا الدور ويقلص حدوده، وفريق ثالث ينظر إلى دور معتدل لوسائل الاعلام يقتصر على مهام محدودة في مرحلة التحول.

الاتجاه الأول: ينظر بشكل عام بسلبية إلى دور وسائل الإعلام في عملية التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، إذ لا يرى في الخبرة العملية ما يثبت وجود علاقة ايجابية واضحة بين الظاهرتين، في حين ان المتعاطين مع هذا الموقف لا يمثلهم إطارا فكريا مشتركا، حيث يذهب أتباع النظريات الثقافية إلى تبني مواقف ايديولوجية تفترض ان وسائل الاعلام تقوم بوظيفة مساندة السلطة في المجتمع على فرض نفوذها والعمل على دعم الوضع القائم. ومن هذه الزاوية ينظر لدور وسائل الاعلام في نشر الثقافة الجماهيرية التي تسهم في استمرار نفوذ الفئات المسيطرة في المجتمع، وهكذا يمكن تفسير عودة الدور التعبوي للإعلام الجديد تحت غطاء التعددية.

هناك علاقة اعتماد متبادل بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي وكلاهما يتعاضدان على ترسيخ نمطاً اجتماعياً يسود المجتمع يعد هو مصدر التغير في الثقافة ولا يسمح بأي تغيير إلا في ضوء ما يخدم العلاقة بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي، وفق هذا التصور فان وسائل الاعلام والمؤسسات الثقافية هما أهم أداتين لاستمرار النمط الاجتماعي المسيطر، وتظل هذه الوسائل غير قادرة على الانفكاك من هيمنة القوى المسيطرة لأنها مصدر شرعيتها وحمايتها ومصدر دعمها الإعلامي الذي يوفر لها القدرة على الاستمرار من المجتمع تسعى إلى استمرار الأوضاع القائمة.

الاتجاه الثاني: ينظر إلى دور وسائل الإعلام في عملية التحول الديمقراطي بحذر، في المرحلة التي تسبق التحول، إلى ان تبدأ إشارات واضحة إلى ضرورة إجراء إصلاحات سياسية، حيث تفيد الكثير من الخبرات السياسية للعديد من المجتمعات ان وسائل الإعلام لا تسهم بشكل ايجابي أو جدي في التهيئة للتحول الديمقراطي، بل ان بعض الخبرات تفيد بأنها أسهمت في إطالة عمر الأنظمة الاستبدادية ودعمت استمرار الوضع القائم. بينما يبدأ تبلور دورها في إثناء عملية التحول الديمقراطي ذاتها، حيث تعد مهمة إصلاح وسائل الاعلام ودمقرطتها واحدة من المهام الأساسية للإصلاح السياسي بشكل عام.

وتندرج أمثلة من مختلف أنحاء العالم على ضعف مساهمة وسائل الاعلام في التهيئة لعملية التحول الديمقراطي، في ضوء استمرار سيطرة الحكومات على هذه الوسائل. ففي دول افريقية وآسيوية تسير باتجاه التحول المحدود نحو الديمقراطية لا توجد علاقة ارتباطية ذات دلالة ايجابية بين انتشار التقانات الاتصالية والديمقراطية، واتساع قاعدة المشاركة السياسية في ظل استمرار الهيمنة الحكومية على هذه الوسائل.

وفي الأردن لم يكن لوسائل الاعلام فيما قبل عام 1989 أي دور يذكر في التهيئة للتحول الديمقراطية، بل لعبت وسائل الاعلام المملوكة من قبل الحكومة أحد الأدوار في إعاقة الديمقراطية حينما كانت تحرض على استمرار الوضع القائم وأربكت في الطريقة التي تعاملت فيها مع بداية التحول الجديد، ويتكرر هذا الواقع في أكثر من دولة. وعلى الرغم من الانفتاح النسبي للنظام الإعلامي المصري، إلا ان التطورات التي لحقت ببيئة الاعلام لم تغير شيئاً في مضمون وسائل الاتصال الأكثر جماهيرية بحكم تبعيتها المباشرة للسلطة السياسية، التي توظف النظام الإعلامي باعتباره نظاماً فرعياً له وظيفة أساسية هي إضفاء الشرعية على الواقع الراهن أكثر من تغييره.

في بداية التحول الديمقراطي الذي يتزامن مع إصلاحات تنال واقع الصحافة وبعض وسائل الاعلام الأخرى تكون هناك فرص متساوية، فقد يتراجع النظام الجديد نحو السلطوية والعودة بالتالي إلى احتكار الاعلام بدعوى تثبيت النظام الجديد، ويبرز وسط هذه البيئة مدى نضج الصحافة ووسائل الاعلام وقدرتها على ان تكون مصدر حماية للمجتمع الديمقراطي، حينما يخاف السياسيون الجدد من النقد والتحريض الإعلامي. حدثت حالة قريبة في الهند بعد القضاء على احتكار وسائل الاعلام ما منح الصحافة ومحطات التلفزيون سلطة أكثر بتعددية ذات ارتباط بأجندات وطنية متنوعة، بشكل أصبح من الصعب على الحكومة ان تفرض مرة أخرى قانونا للطوارئ يغلق الصحف ويرعب الصحافيين؛ هناك مرحلة فاصلة من النضوج الإعلامي إذ اجتازها الاعلام وانضج التعددية وربطها بالمصالح الوطنية، فان الديمقراطية الجديدة تضمن اكبر قدر ممكن من احتمالات عدم التراجع.

الاتجاه الثالث: يتجه منظرو هذا الاتجاه بشكل أكثر ايجابية نحو تقدير دور وسائل الاعلام في الدمقرطة وقضايا الإصلاح السياسي الأخرى. وينطلق هذا الاتجاه من اعتبار الإعلام من المنطلقات الأساسية للديمقراطية، حيث يعد الاعلام سليل الديمقراطية، لان انتشار الصحيفة وبعدها محطات الإذاعة وقنوات التلفزيون تزامن مع تعميم وانتشار الديمقراطية في أوروبا وأمريكا، وأفضى اليها ورسخ القيم الديمقراطية الكبرى.

منذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين الماضي برزت اتجاهات تدعو إلى تثبيت وجود رابط قوي بين وسائل الاعلام ونشر الديمقراطية، وبالتحديد في المجتمعات التي تمر بمرحلة الانتقال السياسي، وتنطلق هذه الفرضية من فكرة أساسية مفادها ان المعلومات والأفكار والقدرة على تفسير الوقائع والأحداث، تشكل جانباً مهماً من مفهوم القوة المعاصر وممارستها، وفي السابق كان من يمتلك القدرة على توجيه المعلومات والأفكار وتفسير الأحداث يمتلك القوة وبالتالي السلطة. الاعلام المعاصر يقوم بتجزئة هذه القوة، ويحطم أسطورة احتكارها من جهة واحدة، ويُمكن الأفراد والجماعات من حق الوصول إلى المعلومات والحقائق وتفسيرها.

Basimtwissi@hotmail.com

التعليق