فتح وحماس والشعب الضحية

تم نشره في الأربعاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

 مرّة أخرى نرى الدم الفلسطيني يسفك على مذبح الصراعات الداخلية في الساحة الفلسطينية، وهي الأحلام السوداوية التي توقعها الكثيرون، وانتظرتها دولة الاحتلال بشغف، وللأسف الشديد وبألم نراها تحققت.

الأزمة الرئيسية التي شكلت عود الثقاب لهذا الانفجار، هي أزمة تأخير الرواتب، لعشرات آلاف العاملين في السلطة الفلسطينية، وهي أزمة ناجمة عن احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية التي تجبيها سلطات الاحتلال على المعابر والموانئ الدولية، وتقدر بحوالي 400 مليون دولار، حتى الآن، إضافة إلى تجميد أموال الدعم الدولي، وتبقى هذه القضية الأساس في الأزمة المالية التي تعايشها السلطة الفلسطينية.

ومع التأكيد على الجانب الأساسي، وتوجيه إصبع الاتهام للاتجاه الصحيح، هناك أيضا حاجة لمساءلة الجهة المسؤولة في السلطة الفلسطينية عن دورها في مواجهة هذه الأزمة الخانقة، فنحن أمام جريمة تجويع شعب بأكمله، لأن عدم تلقي عشرات آلاف العائلات رواتبها يعني حجب هذه الأموال عن السوق، لتنعكس بالتالي على الدورة المالية، وتصبح الأزمة المالية عامة.

من يسعى للوصول إلى السلطة، أية سلطة، عليه أن يعرف طبيعتها وتقييداتها وكل ما يحكم عملها، خاصة إذا كانت وظيفة هذه السلطة إدارة شؤون الشعب، وتأمين أبسط احتياجاته اليومية ليعيش، وليس بإمكان الحاكم ان يكون حركة احتجاج، بل عليه ان يدرك ما سيواجهه، وتكون لديه القدرة على التحديات.

فالسلطة الفلسطينية بشكلها وبنيتها، هي وليدة مسار وعملية سياسية، رفضتها حركة حماس من أساسها، وسعت لتعبئة الشعب ضدها، ولا يمكننا ان ننسى خطاب قادة حماس على مر السنوات الماضية، الذي سعى إلى التقليل من شأن وأهمية السلطة الفلسطينية، وكانت حماس في غالبية الأحيان تتمرد على قرارات السلطة في مجالات مختلفة، وحتى في ساعات الأزمات الداخلية التي لا يمكن ان تعفي حماس نفسها منها، كانت توجه أسئلة خطيرة للسلطة السابقة.

ومن بين هذه الأسئلة، مثلا، "أين دور السلطة في حماية الشعب في وجه الاحتلال" حتى على المستوى العسكري، وهذا سؤال كان يطرح يوميا، وعلى أعلى مستويات الحركة، دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة العدو الشرسة.

لقد شاركت حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وساعدتها طريقة الانتخابات التي أقرتها السلطة السابقة بقيادة حركة فتح، على احتلال أكثرية مقاعد البرلمان الفلسطيني، ولا يمكن القول ان حركة حماس نالت أكثرية أصوات الشعب الفلسطيني.

وكانت المشاركة خطوة ايجابية، كما رأى كثيرون، إلا أن هذه الخطوة لم تكتمل ببلورة استراتيجية فلسطينية تحت عناوين عريضة مشتركة، فحركة حماس دخلت إلى مسار، اتضح أنها لا تزال ترفضه، وسيطرت كليا على سلطة فلسطينية، عاجزة عن أن تحقق الاكتفاء الذاتي لها، خاصة وأنها لا تسيطر حتى على الأرض التي "تخضع لنفوذها".

ولم يكن وصول حماس إلى السلطة صدفة، بل كان نتيجة حتمية لحالة التشرذم التي شهدتها حركة فتح، وأيضا عجز قوى اليسار والوسط على استعادة مكانتها السابقة، لتبقى هامشية على رصيف الصراع بين "ديناصوري" السياسة الفلسطينية، فتح وحماس.

إن الهجوم الأساسي على حركة فتح، تركز في مسألة الفساد، وفقط من يسعى لتشويه الحقيقة والتهرب من الواقع سيحاول نفي هذه الظاهرة التي تفشت في أروقة السلطة، ولكن في نفس الوقت، هناك ضرورة للإشارة إلى أن الحديث عن الفساد تجاوز كل حدود المبالغة، ولو قمنا بعملية حسابية وجمعنا جميع الأرقام التي يجري الحديث عنها، لوصلنا إلى ميزانية دولة أوروبية، إن لم يكن أكثر.

ومن بين ما كان يجري الحديث عنه كثيرا، "ثروة ياسر عرفات"، التي سمعنا أنها تقدر ببلايين الدولارات، لا بل أصبحت موضوع حديث لندوات تلفزيونية، حتى في أحلك ظروف الحصار الذي انتهى باغتيال الرئيس عرفات، ألا يحق لنا أن نسأل اليوم أين هذه الثروة المزعومة، وأين ذهبت، ولمن أورثها؟، ألا يحق لنا أن نقول ان أول من تحدث عن "ثروة عرفات" كانت إسرائيل نفسها، وفق مخطط مدروس لتقليل هيبة الزعيم التاريخي، الذي لي أيضا مآخذ سياسية عليه، من باب تسجيل الموقف.

ثم شهدنا خطابات التخوين، أخطر الخطابات، وهي وصفة جاهزة للاقتتال الداخلي، فمن من قيادة السلطة السابقة فلت من اتهامات التخوين والتآمر، ألا يحق لنا أن نسأل الآن، أين هي عقود "الخيانة والتسليم"؟، ألم تغتال إسرائيل عرفات بطريقة الموت البطيء، لأنه وقف في وجهها ووجه الولايات المتحدة في آخر مفاوضات أشرف عليها.

وحتى مع الرئيس الحالي، محمود عباس، الذي تعانقه إسرائيل كلاميا، بعناق الدببة الخانق، فما هو الحكم على نهجه، وأي فرّط، وأين "خان"؟!.

إن هذه القضايا إن لم تكن ترتكز على حقائق دامغة، فإن نتيجتها واحدة: أزمة ثقة خطيرة بين الشعب والقيادة، ودب اليأس والإحباط بين الجماهير لتبتعد بالتالي عن دائرة التأثير السياسي، وساحة النضال.

إن من وصل إلى السلطة على ظهر هذه الدعايات، وأخذها البعض وركب عليها دون أن يفحص من يقف من ورائها، مُطالب اليوم بتقديم الأجوبة، ولكن بدلا من ذلك نراه يعيد الكرّة مرّة ثانية، والآن ضد أولئك الذين لم يجدوا القوت في بيوتهم منتفضين، فهل يعقل تخوين من يطالب بأبسط حقوقه.

إننا اليوم نقف في نفس الدوامة ولكن مع تغيير الأدوار، فالفلتان الأمني في الماضي الذي كان أيضا لحماس فيه باع كبير خاصة في قطاع غزة، ينتقل اليوم إلى قوى محسوبة على حركة فتح، وفي الوسط يعلق شعب بأكمله، يريد أن يضمن قوته ليناضل من أجل القضية الأساس كنس الاحتلال.

مرّة أخرى لا يمكن تجاهل الجاني الأساس في هذه القضية وهو الاحتلال وممارساته، ولكن على من تولى زمام الأمور في السلطة ان يضع أجندة قادرة على التحدي وتجاوز الصعاب، أجندة سياسية بإمكانها ان تحشد قوى جدية في الأسرة الدولية، وتعيدها إلى صف القضية الفلسطينية، لا أن تساهم في توحيد جميع القوى الدولية في الجهة المقابلة، كما هو الوضع القائم اليوم.

إذا لدى حركة حماس القدرة على طرح شكل جديد للسلطة قادر على تجاوز كل الصعاب فسنسعد لنعرف، وندعم، القضية ليست قضية طأطأة الرأس والرضوخ للأمر الواقع، بمعنى التسليم بواقع الاحتلال، فهذا هو المبدأ الخياني المرفوض، بل المطلوب فهم الواقع بتفاصيله الدقيقة كافة ووضع أجندة لتجاوزها، وأجندة كهذه طرحها الشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة، وحققت مكاسب في فترة معينة.

وإلا لا يمكن للشعب أن يعلق بين أنياب فك الاحتلال وهو الأقسى، وبين سلطة لا تستوعب بعد أنها لم تعد حركة احتجاج فقط.

أكثر ما سعت إليه إسرائيل طوال الوقت هو إشغال الشعب الفلسطيني بقضاياه اليومية الأساسية، يجعله يركض وراء لقمة الخبز لتحييده عن القضية الأساسية، قضية التحرر من نير الاحتلال، تماما كما تمنت في الماضي بجعل الفلسطينيين في مناطق 48 "حطابين وسقاة ماء".

إننا اليوم أمام مرحلة قاسية بشراستها، وهناك ضرورة لتجاوزها، نحن أمام حالة جزْر، وعلينا ان نعرف كيف نتخطى المرحلة للعودة إلى حالة المد السياسي والنضالي، العودة إلى مسار التحرر، إن كان من خلال التفاوض وهو المسار الأمثل، أو من خلال انتفاضة الشعب، كل الشعب، الانتفاضة الحقيقية التي أتقنها الشعب الفلسطيني حين انطلق بها قبل نحو 19 عاما.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق