القطاع الخاص ينهض بالهند

تم نشره في الاثنين 2 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

أصبحت اقتصاديات كل من كوريا الجنوبية، وتايوان، وسنغافورة وكأنها معجزة - إذ تنمو بمعدل 8 في المائة سنوياً-وذلك بتنفيذها التقسيم المناسب للعمل، والذي ركز فيه كل من القطاعين العام والخاص على العمل الذي يقوم به على أفضل نحو. حيث ركزت الحكومة على القانون والعدالة، وزادت من مساحة الأراضي المزروعة(ثورة خضراء)، وحسنت البنية التحتية. في حين زاد القطاع الخاص من حجم التصنيع والخدمات.

عندما بدأت الهند بعملية الإصلاح قبل 15 عاماً مضت، توقعت شخصياً تقسيماً مماثلاً للعمل. لكن ذلك لم يحدث في الهند. وكان إنجاز القطاع الخاص فيها أكثر من المتوقع. أما قطاع البرمجيات فيها فهو على المستوى العالمي، وأصبحت الصناعات تنافسية أخيراً: نمت الصادرات بأكثر من 30 في المائة سنوياً لثلاث سنوات متتالية. وتقوم الشركات الهندية بعمليات استحواذ أجنبية بأعداد وفيرة وتصبح أيضا شركات متعددة الجنسيات.

غير أن الحكومة على أية حال، فشلت بشكل بائس في التقسيم الجديد للعمل. فقد أصبح الفساد أسوأ مما كان عليه، كما ازدادت اللامبالاة. واندفع المجرمون بالمئات إلى الهيئات التشريعية المركزية، وتلك الخاصة بالولايات، وإلى مجالس الوزارات. ولم يعد بمقدور المحاكم إدانة أي شخص واسع المصادر رغم جميع التوسلات. وتوفي كل من هارشاد ميهتا(الذي ترأس فضيحة سوق البورصة في الهند عام 1992)، ورئيس الوزراء السابق ناراسيمها راو بسبب الشيخوخة قبل أن تنتهي قضاياهما.

ويشكل الركود الزراعي مشكلة خطيرة. لقد اعتادت الهند أن تصدر الحنطة، لكنها الآن تستوردها. أما البنية التحتية، فعلى الرغم من إجراء تحسينات مهمة عليها، إلا أنها متخلفة إلى حد كبير عن مثيلاتها من البلدان.

فكيف إذاً استطاعت الهند تحقيق معدل نمو قياسي في السنوات الأخيرة؟ لأن القطاع الخاص تولى على عاتقه الكثير من الأدوار الحكومية التقليدية، وأنقذ الوضع.

لقد كانت الكهرباء منذ فترة طويلة حكراً على الدولة، وكانت مجالس كهرباء الدولة مفلسة عندما بدأ الإصلاح في عام 1991. ولجأت إلى منتجي طاقة مستقلين مثل إنرون، ولكن ذلك تحول إلى إخفاق تام. فكيف إذا تعمل الهند على إنتاج طاقة تكفي لنمو اقتصادي قياسي؟

حسناً، عملت محطات توليد الطاقة القديمة على تحسين مصانع التحميل الخاصة بها. بيد أن السبب الرئيسي تمثل في أن الشركات قررت أنها لا تستطيع الاعتماد على إمدادات الحكومة، وأنشأت مصنعاً للطاقة لتلبية حاجاتها الخاصة قدرته 20 ألف مليون واط، إضافة إلى فائض بإمكانها بيعه. وبتولي الشركات دوراً كانت تؤديه الحكومة أساسا، انتعشت الصناعة.

لنأخذ في الاعتبار الموانئ. كانت تتم معالجة عملية الشحن على نحو غير فاعل في الموانئ الرئيسية التي تملكها الحكومة. وكان وقت التحميل أطول بعشر مرات من مثيله في سنغافورة، وكانت السفن تنتظر قرابة 25 يوماً من أجل التنزيل. أما اليوم، فقد انخفض وقت التحميل والانتظار لأنه سُمح للشركات، الهندية والأجنبية، بإنشاء مرافئ للحاويات في الموانئ الرئيسية، مما حوّل كفاءتها. وفي الوقت ذاته، سهلت ولاية غوجارات عملية تطوير 49 ميناءً صغيراً، مملوكة من قبل القطاع الخاص بشكل رئيسي، وهناك ولايات أخرى تتبع خطاها. ويعتبر قطاع الاتصالات أكبر وأفضل الأمثلة على تولي القطاع الخاص الدور التقليدي للحكومة بنجاح. ففي أعوام الثمانينيات، كان عليك أن تنتظر لأكثر من سبع سنوات للحصول على هاتف باشتراك حكومي. أما المنافسة الخاصة اليوم فتعمل على توصيلك فوراً. وتضيف الهند نحو 5 ملايين مشترك في الهواتف الجوالة شهرياً، كما أن أسعار الاتصالات فيها من أدنى معدلات الأسعار في العالم.

كما تعمل الشركات حالياً على تحديث مطارات مومباي ودلهي، وسوف تبني مطارات أخرى أيضاً. وتبني الشركات الخاصة في الوقت الحاضر عدة طرق برسم عبور. لقد طورت الحكومة فكرة العجز عن السداد للطرقات، وقد رسا العقد على المزايد الذي طلب أدنى إعانة لرسم عبور الطريق. ولكن هناك الآن عددا من المزايدين ممن هم على استعداد لدفع رسم بدلاً من طلب إعانات.

هناك ثورة خضراء أخرى يقوم بدفعها القطاع الخاص وليس القطاع العام. وقادت ريلاينس إيندستريز الطريق إلى المناطق الريفية في بنجاب بعمليات تضمنت كافة تفاصيل عملية الزراعة والبيع—إذ تدير سلسلة تبدأ من البذور والمحاصيل إلى التصنيع وعمليات البيع في الأسواق النشطة. ونوّعت آي. تي. سي.(وهي تكتل هندي كبير) أعمالها من صناعة السجائر إلى الرقاقات الإلكترونية، والأكشاك الريفية المحوسبة من أجل المعلومات الزراعية ولشراء المنتج. كما تنشئ ماهندراس، وتاتاس، وشريرامس متاجر ريفية كبيرة. كما تدفع تريفيني، وهي مجموعة للسكر، مستحقات قصب السكر مباشرة في حسابات بنكية زراعية، وتصدر بطاقات ائتمانية بحيث يستطيع المزارعون السفر إلى الأسواق دون حمل سيولة، وهذه نعمة في ولاية أوتار براديش الحافلة بالعصابات.

تغطي هذه المبادرات جزءاً صغيراً فقط من البلاد. ولكنها تحدث حركة في بحيرة كانت ستكون راكدة بخلاف ذلك. وبهذه الطريقة، أغلقت الشركات الفجوة التي خلقها إخفاق القطاع العام بالقيام بدوره التقليدي. ولكن في مجال تطبيق القانون والعدالة الرئيسي، لا يبدو أن ذلك ممكناً. واعتقد شخصياً أنه إذا وجد عرض منافس للقيام بدور الشرطة، أو تم ربط الأداء بمؤشرات، فإن ذلك سيعمل على تحسين النتائج فعلياً. غير أن السلطة الكلية للسياسيين تتدفق من سيطرتهم على الشرطة والإدارة، لغاية غير قانونية نموذجياً، وهم يعارضون إجراء أية إصلاحات على النظام الفاسد المحتضر.

سواميناثان إس. أنكليساريا إيار: زميل أبحاث في معهد كيتو، وكاتب عمود في صحيفة التايمز الهندية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مصباح الحرية، www.misbahalhurriyya.org

التعليق