الصين تخسر معركة الفساد

تم نشره في الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

نادراً ما ينشر حكام الصين غسيلهم القذر علناً. لذا فقد أدى القبض على عضو اللجنة السياسية التنفيذية وزعيم حزب شنغهاي الشيوعي تشين ليانجيو، بعد اتهامه بالفساد، إلى إصابة الناس بالصدمة في كل أنحاء البلاد. ويخمن البعض أن إلقاء القبض على تشين ليس سوى جزء من صراع أكبر على السلطة ضد الرئيس هيو جينتاو الذي يستعرض نفوذه في مواجهة سمسار سلطة محلي خذل بتصرفاته السياسة الوطنية.

أياً كانت الأسباب التي أدت إلى سقوط تشين، وعلى الرغم من التحقيق الموسع في فساد مسؤولين حكوميين آخرين، إلا أن المعلومات والأدلة التي نشرت مؤخراً بواسطة الحكومة والمؤسسات التعددية تشير إلى أن السلطات تخوض معركة خطوط خلفية ضد موجة متصاعدة من الكسب غير المشروع.

ولنتأمل الإحصائيات الكئيبة التي أذاعتها مؤخراً النيابة الشعبية العليا (SPP). ففي الفترة من العام 2002 إلى العام 2005 تم التحقيق مع أكثر من 42 ألف مسؤول حكومي رسمي في المتوسط كل عام بتهمة الفساد، حيث واجه ثلاثون ألفا منهم في كل عام اتهامات جنائية.

ولا تتضمن هذه الأرقام المروعة الجرائم الاقتصادية خارج القطاع العام. فخلال العام 2005 وحده، على سبيل المثال، كشفت اللجنة الرقابية المصرفية للصين (CBRC) عن مخالفات تتضمن إساءة استغلال أرصدة بلغت 767.1 ألف مليون بعملة جمهورية الصين الشعبية (93.7 ألف مليون دولار أميركي). كما كشفت اللجنة الرقابية المصرفية للصين عن 1272 حالة جنائية وأصدرت أحكاماً تأديبية على 6826 من موظفي البنوك (بما في ذلك 325 من كبار المديرين). وطبقاً لمدير عام النيابة الشعبية العليا يي فِنج فقد شهدت كل أنواع المؤسسات المالية تقريباً حالات جنائية تتضمن قبول الرشوة في مقابل تيسير القروض.

على الرغم من الحملات المتقطعة التي شنتها الحكومة على الفساد، إلا أن التقدم كان بطيئاً. بل كما أقر يي بصراحة فإن عدد حالات الفساد "قد استمر في الازدياد". والحقيقة أن المقاييس الدولية للكسب غير المشروع تبين لنا أن السلطات الصينية ربما تكون قد توقفت عن إحراز أي تقدم في معركتها، بل وربما تكون قد تقهقرت أيضاً. وطبقاً لمؤشر الفساد الذي وضعته مؤسسة ترانسبيرنسي إنترناشيونال (Transparency International)، وهو المؤشر الأوسع انتشاراً لقياس أراء رجال الأعمال والخبراء بشأن مدى الفساد في دول مختلفة، احتلت الصين المركز السابع والثمانين من بين 158 دولة في العام 2005 ـ وهو ليس بالتحسن الكبير منذ العام 2000.

وحتى الأداء الطيب الذي حققته الصين طبقاً لواحد من "مؤشرات الحكم" الستة التي وضعها البنك العالمي، وهو مؤشر "السيطرة على الفساد"، فقد هبط بصورة واضحة خلال الأعوام الأخيرة، من 0.20 ـ في عام 1998، إلى 0.40 ـ في عام 2002، إلى 0.69 ـ في عام 2005. وفي عام 2005 صنف البنك الدولي الصين في المرتبة 142 من بين 204 دولة فيما يتصل بمؤشر "السيطرة على الفساد".

على الرغم من أن أننا لا نستطيع قياس التكاليف الاقتصادية المترتبة على الكسب غير المشروع على وجه الدقة، إلا أن الأدلة غير المباشرة تؤكد أنها باهظة. والحقيقة أن الإدارات التنفيذية متعددة الجنسيات كثيراً ما تعتبر الصين المقصد الاستثماري المفضل لديها، إلا أن العديد منها أيضاً تشكو من استشراء الكسب غير المشروع هناك. وطبقاً لدراسات المسح الخاصة بالمناخ الاستثماري، والتي يقوم بها البنك الدولي، فإن 27% من حوالي أربع آلاف شركة كانت لها أعمال في الصين في العام 2002-2003، وصفت الفساد هناك بأنه "معوق رئيسي" أمام عملياتهم التجارية، بينما أكدت 55% من هذه الشركات في تقاريرها أنها دفعت رشاوى إلى موظفين حكوميين و/أو شركاء عمل محليين في سبيل تيسير إنجاز الأعمال.

على نحو مماثل، وطبقاً لتقديرات هيو أنجانج أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة شينجهوا في بكين، فقد تسبب الفساد في الفترة من 1999 إلى 2001 في خسائر اقتصادية بلغت 1293 ألف مليون بعملة الصين الشعبية (156 ألف مليون دولار أميركي)، أو ما يعادل 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي للصين. وليس من المدهش أن يكون قطاع الخدمات المالية هو الأكثر تضرراً بسبب الفساد، حيث خسر 547 ألف مليون بعملة الصين الشعبية (6.25% من الناتج المحلي الإجمالي). كما تكبدت الصين 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الإنفاق العام الزائف، وبلغت عائدات الخصخصة المتسربة ما يقرب من 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وتحملت الصين أيضاً خسائر تزيد قيمتها على 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة للتهريب. الغريب في الأمر أن الحكومة الصينية لم تحاول إخضاع النتائج المروعة التي توصل إليها هيو للرقابة، بل ولم تحاول تفنيدها.

تتلخص العقبة الكبرى أمام مكافحة الكسب غير المشروع في ضعف النظام القضائي، وبصورة خاصة على مستوى الحكومات المحلية. وحيث أن أكثر الفساد الحكومي يتركز في المقاطعات والبلدات والقرى، فهو يتضمن عادة استغلال السلطة من قِـبَل المسؤولين الرسميين. ولكن نظراً لنفوذ هؤلاء الموظفين البيروقراطيين الثانويين، والذي يكاد يكون مطلقاً، فهم يتحكمون أيضاً في القنوات الخاصة بالتعامل مع الشكاوى والمظالم.

ومن بين "مؤشرات الحكم" الستة التي وضعها البنك الدولي شهد مؤشر "حكم القانون" أيضاً هبوطاً شديداً، حيث انزلق من 0.28 ـ في عام 1998، إلى 0.47 ـ في عام 2005، فاحتلت الصين المرتبة 124 من بين 208 دولة في هذه الفئة.

في ظل ندرة الموارد اللازمة لسلوك السبل القانونية، يلجأ عدد متزايد من ضحايا الكسب غير المشروع إلى إجراءات غير قانونية مثل الإضرابات، والمظاهرات، والاعتصام بهدف شد انتباه الرأي العام وأجهزة الإعلام. حتى أن بعض الضحايا يحملون نزاعاتهم إلى السلطات الإقليمية والمركزية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حاد في معدلات "الإخلال بالنظام العام" على مستوى الأمة بالكامل. وبينما سجلت وزارة الأمن الشعبي 8700 حالة فقط من حالات الإخلال بالنظام العام خلال عام 1993، فقد تضخم الرقم في عام 2005 بمقدار عشرة أمثال، فبلغ 87 ألف حالة.

مما لا شك فيه أن سوء تعامل الحكومة مع مثل هذه الاضطرابات، أو المبادرة إلى قمعها بالقوة، لن يؤدي إلا إلى إذكاء نيران السخط الاجتماعي. والحقيقة أن نجاح الحكومة في إحكام قبضتها على الفساد، وبصورة خاصة على مستوى الحكومات المحلية، سوف يكون بمثابة اختبار لشرعية هذه الحكومة. والفشل في هذا السياق من شأنه أن يؤدي إلى ردود أفعال حادة على الصعيد السياسي، بما في ذلك التصعيد التلقائي للأنشطة المناهضة للنظام.

فريدريك وو أستاذ مساعد في معهد الدراسات الدفاعية والإستراتيجية بجامعة نانيانج التكنولوجية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق